ولما كان توحيد الإلوهية إنما يأتي بعد الإيمان بتوحيد الربوبية أخذ سبحانه يبرهن على أنه هو الخالق لجميع الموجودات من مادي وغير مادي وبدأ بأهمها فقال: {خلق السموات والأرض} أي العالم العلوي والعالم والسفلي وكل ما فيهما من المخلوقات: {بالحق} أي لمقصد حق لا للعبث واللهو: {تعالى عما يشركون} أي عما يزعمونه لهما من اتصافهما بصفة الأزلية بل هما مخلوقتان لله ولا ينازعه أحد في صفة الأزلية ثم شرع في تعداد ما خلق فيهما وأقام الأدلة على خلقه لها بعلمه بتفاصيل طبائعها ومزاياها فقال: {خلق الإنسان} الذي هو سيد المخلوقات الحيوانية: {من نطفة} أي من أصل حقير هو قطرة ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب ونفخ فيه من روحه ثم أخرجه إلى الدنيا لا يعلم شيئًا ثم سخر له من يتعهده بالطعام والشراب ومختلف أنواع الرزق حتى إذا بلغ أشده واستوى: {فإذا هو خصيم مبين} أي فالله يعلم أنه سيكون بطبعه خصيمًا لربه جاحدًا لنعمه منكرًا لقدرته على بعثه ونشوره إذ يكفر بالله ويعبد من دونه ما لا ينفعه ولا يضره ويقول: {من يحيي العظام وهي رميم} ومن أجل هذا سيبعث له رسلًا تهديه إلى ما فيه سعادته وما فيه رضاء ربه: {والأنعام} وهي الإبل والبقر والضأن والمعز: {خلقها لكم} أي خلقها من أجل مصلحتكم: {فيها دفء} وهو ما يدفأ به فيقي من البرد من أصوافها أوبارها وجلودها: {ومنافع} لكم من درها وركوبها وحملها واستعمالها للحرث وغير ذلك: {ومنها تأكلون} أي تأكلون ما يؤكل منها من اللحوم والشحم: {ولكم فيها جمال} أي حسن تتجملون به وتتفاخرون بأنكم ماكلين لها: {حين تريحون} أي حين تردونها من مراعيها إلى مراحها بالعشي وهي مشبعة ممتلئة ضروعها باللبن: {وحين تسرحون} أي تخرجونها بالغداة من حظائرها إلى حيث تسرح في أرض الله لتأكل من رزقه: {وتحمل} الأنعام: {أثقالكم} الثقل متاع المسافر: {إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس} هذا الوصف إنما ينطبق على الإبل في الصحراء في العصور الماضية التي لم يكن لهم من وسائل النقل سواها: {إن ربكم لرؤوف} قدر ضعفكم: {رحيم} خلق لكم ما أنتم في حاجة إليه: {والخيل والبغال والحمير} من الحيوانات خلقها لكم الله أيضًا: {لتركبوها} أي لتمتطوا ظهورها وتستعملوها في جر الأثقال: {وزينة} تتباهون بها بين الناس: {ويخلق} لهذه الأغراض: {ما لا تعلمون} من حيوانات وغير حيوانات التي منها السيارات والقطارات والطائرات ذلك لأن المواد الأولية التي يتكون منها هيكلها لم