الذي يسمع من دعاه على ظهر الغيب: {رب اجعلني مقيم الصلاة} أي محافظًا على أداء صلواتي: {ومن ذريتي} أي واجعل بعضًا من ذريتي من مقيمي الصلاة ولم يدع لهم جميعًا لأنه علم بإعلام الله له أنه سيكون من ذريته جمع من الكفار وذلك في قوله: {لا ينال عهدي الظالمين} : {ربنا وتقبل دعاء ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب} .
بعد أن أخبر الله رسوله بمنشأ الدعوة الإسلامية التي جاء بها جده إبراهيم الخليل ودعوته لمكة وساكنيها من ذريته بتجنب عبادة الأصنام وتبرئه من من لا يتبع طريقته وختم الآية بدعائه بطلب الغفران له ولوالديه وللمؤمنين يوم يقوم الحساب أخذ يؤكد سعة علمه تعالى بجميع أعمال عباده ويحدد موعد الحساب ويصف حال الظالمين فيه فقال: {ولا تحسبن} أيها الرسول والمعني بهذا كل إنسان: {الله غافلًا عما يعمل الظالمون} أي لا تظن أن ترك عقاب الظالمين في الدنيا كان ناشئًا عن غفلة الله تعالى عنهم وعدم علمه بما يقترفونه من السيئات، الأمر الذي يحملهم على التمادي في الضلال: {إنما} إمهالهم هذا كان وفق خطة مرسومة وسنة من سننه وهي تقضي بأن الحساب على الأعمال لا يكون إلا بعد الفراغ منها ولذلك: {يؤخرهم ليوم} عصيب: {تشخص فيه الأبصار} أي تفتح فيه كافة عيون أهل الموقف: {مهطعين} أي مسرعين إلى الداعي مقبلين عليه للاطمئنان على مصيرهم من عظم ما يقاسون: {مقنعي رؤوسهم} أي مطأطئين رؤوسهم من الذل والخوف: {لا يرتد إليهم طرفهم} أي لا يرجع إليهم أمر تحريك أجفانهم التي كانوا يملكون التصرف فيها كل لحظة بل تبقى أعينهم هنالك مفتوحة جامدة لا تطرف من هول ما يرون: {وأفئدتهم هواء} أي وقلوبهم في حركة دائمة واضطراب مستمر كالهواء: {وأنذر الناس} هذا معطوف على قوله: {ولا تحسبن} أي نبههم إلى ما سيكون من موقف الظالمين: {يوم يأتيهم العذاب} الذي تقدم ذكره: {فيقول الذين ظلموا} أنفسهم بعدم تصديق رسل الله واتباع ما جاؤوا به: {ربنا أخرنا} أي أرجعنا إلى الدنيا وأمهلنا: {إلى أجل قريب} أي مدة قصيرة من الزمن: {نجيب دعوتك} إلى توحيدك: {ونتبع الرسل} فيما جاؤوا به من الشرائع فيقال لهم إذ ذاك توبيخًا وتقريعًا: {أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال} أي ألم تحلفوا من قبل أنه لا زوال للحياة الدنيا ولا معاد ولا حساب كما حكى الله عنهم ذلك بقوله: {واقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت} وقد وجدتم وشهدتم بأعينكم ما أنكرتموه من قبل ولا سبيل لتغيير سنن الله استجابة لطلبكم