حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ (37) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (38) يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (39) وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (40) أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (41) وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (42) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (43)
لقد ختم الله السورة السابقة بذكر الغاية التي من أجلها أتى بقصص الرسل السابقين وهي أن تكون موضع عبرة للناس على ممر الأزمان وأكد أنه: {ما كان حديثًا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} ثم بدأ هذه السورة بما يشعر أن تلك القصص بذاتها هي ضمن آيات الكتاب التي قصد بها التشريع ووجوب الاتباع فقال: {المر} وتنطق هكذا ألف لام ميم راء أي أن الله يقسم بالسر الذي أودعه أو الذي يعنيه من هذه الأحرف بأن: {تلك} القصص التي مرت هي: {آيات الكتاب} أي من ضمن آيات القرآن التي أوحى الله بها إلى نبيه وأمره أن يتحدى الناس بالإتيان بسورة من مثلها: {والذي أنزل إليك} عن طريق الوحي: {من ربك} وهو القرآن بكافة آياته وسوره سواء كان قصصًا أو تشريعًا: {الحق} الصادر من قبل الله وقد صانه سبحانه وتعالى من دس الدساسين وكذب المفترين فلم يتطرق إليه شيء من التلاعب الذي حدث لما قبله من الكتب السابقة كالتوراة والإنجيل: {ولكن أكثر الناس} حتى ممن ينتمي إلى دين الإسلام: {لا يؤمنون} بأن القرآن كتاب الله الذي أنزله ليكون تشريعًا للعالم أجمع ودستورًا عامًّا يؤاخذ الناس بمقتضاه إذ لو كانوا يؤمنون به حق الإيمان لتمكن توحيد الله في قلوبهم وتجنبوا كلما يؤدي بهم إلى الشرك وطبقوا أحكامه على أنفسهم وفيما بينهم وبين بعضهم بعضًا لينالوا عن طريقه سعادة الدارين وخير الحياتين ولما كانت الدعوة إلى التوحيد هي جوهر الدين والغاية التي من أجلها أنزل القرآن، ومعرفة الله هي الأساس الذي تقوم عليه الشريعة، وتبنى عليه سائر العبادات قال تعالى: {الله} الذي أنزل القرآن هو: {الذي رفع السماوات بغير عمد} أي خلق السماوات معلقة في الفضاء ومرفوعات عن الأرض بغير عمد يسندها من تحتها