ولقد عاد الرسول إلى عزيز مصر وأخبره على ملأ من قومه تعبير رؤياه فأدرك مبلغ علم يوسف بما ستمنى به البلاد من رخاء وشدة لا يصلح لاتقاء خطرها إلا من كان عليمًا بها وأخبر عنها قبل حدوثها ولذلك: {وقال الملك ائتوني به} لأسمع كلامه وأختبر تفاصيل رأيه ودرجة علمه بنفسي: {فلما جاءه الرسول} وبلغه أمر الملك لم يسر بإطلاق سراحه من السجن وقد مضى عليه فيه بضع سنين ويبادر بمرافقة الرسول بل اشترط لذلك أولًا وقبل كل شيء أن يحقق في أمر التهمة التي نسبت إليه وسجن من أجلها: {قال} في عزة وكبرياء: {ارجع إلى ربك} أي سيدك: {فاسأله} قبل شخوصي إليه: {ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن} أي لماذا قطع النسوة أيديهن هل كان ذلك بتأثير مني حتى عوقبت بالسجن من أجلهن أم أن ذلك اشتراكًا منهن في مؤامرة دبرت لإيقاعي في شباكهن وأنا منها بريء وقد سجنت ظلمًا وعدوانًا: {إن ربي بكيدهن عليم} أي وقد علم ربي بذلك الكيد فجنبني الوقوع فيه وحفظني بالسجن من عدوانهن، فرجع الرسول إلى الملك وأخبره بما اشترط يوسف لخروجه من السجن فأمر بإعادة التحقيق في القضية التي أساسها اتهامه لزوجته بالمراودة فأحضرها وأحضر من كان معها من النساء ووجه إليهن الحديث: {قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه} أي ما هو الشأن أو الأمر الخطير الذي حملكن على مراودة يوسف عن نفسه هل كان ذلك بسبب مغازلة وميل منه إليكن: {قلن حاشا لله} أي معاذ الله لم نراوده عن نفسه ولئن اتهمنا بهذا فهو غير صادق ونحن: {ما علمنا عليه من سوء} أي أدنى شيء يشينه أي أنا نبرئه من أن ينسب إلينا ما لم يصدر منا، وهنا أدركت امرأة العزيز أنها هي المعنية بالمراودة لأنه اتهمها بها في مواجهتها أمام العزيز فلم تجد بدًّا من الاعتراف بالحقيقة التي اعترفت بها من قبل أمام النسوة: {قالت امرأة العزيز} بدورها: {الآن حصحص الحق} أي ظهر الحق بعد كتمانه فقد كان الاتهام موجهًا إلى كل منا معشر النسوة أما وقد تنصلن منه ونزهن يوسف عن الافتراء فإن قلت مثل قولهن شهدن ضدي وسقطت في نظر زوجي الذي تبينت له الحقيقة من قبل وسترها عليّ فلم يبق إلا أن أشهد على نفسي شهادة إثبات لدعواه: {أنا راودته عن نفسه} فاستعصم وأعرض: {وإنه لمن الصادقين} فيما اتهمني به من قبل وحمله أدبه على السكوت عنه رغم ما أصابه في سجنه من بلاء: {ذلك} أي أن ما أقرره الآن من الحقيقة واعترف به هو: {ليعلم أني لم أخنه بالغيب} أي أني لم أطعن في أمانته وشرفه وعفته في