#ويرزق في غشاوته الجنين
وعكس ما يعتقده الناس في عصرنا هذا الذي طغت فيه المادة من أن العمل وحده هو سبيل الرزق بمعنى أنه لا رزق من غير عمل مستدلين على ذلك بأن الله جلت قدرته أمر السيدة مريم بهز النخل وكان في إمكانه أن يسقطه عليها من غير هز، وفاتهم أن ذلك الهز لم يكن هو موجدًا لأساس التمر وطالما يسقط التمر على الأرض من غير هز وإنما أراد الله بذلك أن يعلم السيدة مريم ما سنه لعباده من ضرورة طرق الأسباب، فلا دليل في ذلك على أنه لا رزق من غير عمل، وقد حض الله عباده على طاعته، وتكفل لهم بالرزق حيث قال: {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقًا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى} كما أنه عندما أمرهم بالعمل حدد لهم الغاية منه، وهو أن يراهم طائعين فيجزيهم على عملهم في الدنيا ويوم القيامة حيث قال: {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون} وأخبرهم بأن العمل لم يكن إلا وسيلة لاكتشاف سبيل الرزق وأنهم في النتيجة سيأكلون من رزقه الذي خلقه لهم ولم يكونوا موجودين له بعرق جبينهم كما يتصورون حيث قال: {هو الذي جعل لكم الأرض ذلولًا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور} . وإن مما يؤسف له أن الناس اليوم قد اعتمدوا في أمر معاشهم على مجرد العمل ولم يخطر ببالهم ذلك الإله الذي أوجدهم من العدم وتكفل لهم بالرزق إذ خلق لهم ما في الأرض جميعًا من المواد الأولية لما يأكلون وما يلبسون وما يركبون وعلمهم الكثير من سنن الكائنات واكتشاف طريقة استخدام بعض الموجودات بل لقد ركبوا رؤوسهم واعتمدوا على الأسباب دون مسببها والمخلوقات دون خالقها ولم يجعلوا لله حسابًا في تقديرهم ولم يشعروا بنعمه عليهم مع أنه تعالى يقول: {وما بكم من نعمة فمن الله} .
{كل في كتاب مبين} أي كل واحدة من الدواب مستقرها ومستودعها معلوم عنده تعالى ومرصود في اللوح المحفوظ لديه فلا يمكن أن يهمله أو يتركه من غير أن يوجد له في المكان الموجود فيه ما هو بحاجة إليه بحيث لا يطلب منه غير البحث عنه، والسعي إليه، وقد نظمت في هذا ما يأتي:
(الرزق من عند الله)