الصفحة 1146 من 1760

يأتي للملك ويطلب عفوه رأسًا من غير واسطة فكيف بملك الملوك؟ حتى أصبحت العامة تدين بهذا وتعد خارجًا عن الإسلام أو عن إجماع المسلمين كل من يدعو إلى التوحيد الخالص وتنزيه حكم الله عن الشفاعة بمعناها المتعارف عند الناس والتي نفاها الله في عدة مواضع وبكل شدة كما وضحنا ذلك في الصفحة السابعة من الجزء الثالث من هذا التفسير: {وإن هم إلا يخرصون} أي وما هم في اتباع هذا الظن الذي لا يغني من الحق شيئًا إلا يحذرون ويقدرون كمن يخرص الشجرة. إذ يقدر ما تحمله من الثمر: {هو الذي} بمحض كرمه ومن غير وسيط ولا شفيع قدر لكم ما أنتم في حاجة إليه من وسائل الراحة أولًا ويسر لكم وسائل العمل والكسب ثانيًا إذ: {جعل لكم الليل لتسكنوا فيه} أي لتأخذوا فيه حظكم من الراحة لتستعدوا للحركة والعمل المضني في سبيل طلب الرزق: {والنهار مبصرًا} أي وجعل النهار مضيئًا لتنتشروا في الأرض وتبتغوا من فضل الله وتؤدوا مهمتكم في سبيل إعمار هذا الكون: {إن في ذلك} أي فيما ذكر من عناية الله بكم وتأمين راحتكم قبل أن يرهقكم بالعمل دون وسيط أو شفيع: {لآياتٍ} تدل على أنه تعالى ليس ممن يستدر عطفه عن طريق الوسطاء والشفعاء بل هو أرحم الراحمين وأشفق على عباده من كل أحد ويستجيب دعاءكم ويحقق آمالكم بمجرد الدعاء: {لقوم يسمعون} ما يتلى عليهم من وجوب إفراد الله بالوحدانية والامتناع عن كل ما يشم منه رائحة الشرك أو المحاباة في الحكم تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.

بعد أن نبه الله الأفكار إلى مداخل الشيطان إلى القلوب لإضلالها عن طريق التقرب إليه بالوسطاء ونهى رسوله عن الحزن من قولهم وألقى ضوءًا على معتقداتهم الفاسدة التي لا يقرها كل ذي عقل سليم أخذ يشير إلى من هم أشد ضلالًا من أولئك وهم الذين: {قالوا اتخذ الله ولدًا} حيث زعم المشركون أن الملائكة بنات الله وقالت النصارى المسيح ابن الله وقال اليهود عزير ابن الله ويرى بعض المؤرخين أن المراد بعزير أحد الآلهة عند قدماء المصريين: {سبحانه} أي الله منزه عن اتخاذ الأولاد، ذلك لأنه لا يريد الولد إلا من يرجو معونته والاعتزاز به خصوصًا في حال شيخوخته وهذا ما لا يجوز على الله جلت قدرته: {هو الغني} بذاته عن كل ما سواه: {له ما في السماوات وما في الأرض} من جميع الموجودات التي خلقها من غير معين وبدون حاجة إليها، وإنما كان ذلك للدلالة على عظيم قدرته وفائق تدبيره وكمال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت