بعد أن أمر الله رسوله أن يصارح المنافقين بالكراهية والنهي عن مصاحبتهم له والقتال معه بعد أن تخلفوا عن الخروج معه في غزوة تبوك عسى أن يكون في ذلك ما يحفزهم إلى الندم والتوبة من النفاق أعقب ذلك بأمر آخر يدل على مدى إصرار المنافقين على الكفر وعدم احتمال توبتهم منه لأنه أصبح بمثابة الطبع الثابت في النفس والذي لا يمكن التخلي عنه وذلك بالاستمرار في كراهيته لهم ومقاطعتهم حتى بعد موتهم حيث قال: {ولا تصل على أحد منهم مات} أي من المنافقين: {أبدًا} أي دائمًا لأن الصلاة عليهم استغفار لهم وهم لا يستحقونه بل لقد منع الرسول صلى الله عليه وسلم من الاستغفار لهم إذ قال: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} وقال أيضًا: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم} .
{ولا تقم على قبره} عند الدفن فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: «استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل» ولعل النهي عن القيام على قبرهم يشمل عدم تشييع جنائزهم لما في ذلك من تكريم لهم ينافي ما أمر الله من إعلانهم بالكراهية والسبب في ذلك واضح وهو: {إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون} أي خارجون عن حظيرة المؤمنين الصادقين المخلصين لأن النفاق كان بمثابة الطبع الثابت فيهم.: {ولا تعجبك أموالهم ولا أولادهم} أي لا يسرك منهم من أموال وأولاد هما مظهر الوجاهة في الدنيا فتجاملهم وتمشي في جنائزهم من أجلها: {إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا} أي أن الله لم يرد بما أنعم به على المنافقين من الأموال والأولاد أن تكون دليلًا على سعادتهم وهنائتهم ووسيلة من وسائل تكريمهم في الحياة وبعد الممات وإنما أراد أن تكون مظهرًا من مظاهر الزينة الظاهرة في الدنيا الفانية وشغلًا شاغلًا عن الله والعمل للآخرة حتى يفتنوا بملذاتها ويفرحوا بها: {وتزهق أنفسهم وهم كافرون} بآلاء الله من حيث لا يشعرون ومن أجل هذا أرسل الله الرسل وأنزل الكتب لهدايتهم إلى الإيمان به والعمل بما يرضيه ورسم لهم سبيل السعادة في الدارين وأكد لهم أن متع الدنيا ونعيمها ليست دليلًا على رضوان الله حيث قال في سورة الفجر: فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن * وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن *