سرد الحافظ ابن رجب الحنبلي بعض النصوص التطبيقية للإمام أحمد محتجًا بها على أنه لا يقبل تفرد الثقة، فقد قال بعد أن نقل كلام البرديجي السابق في تعريف (المنكر) : (وهذا كالتصريح بأنه كل ما ينفرد به ثقة عن ثقة ولا يُعرف المتن من غير ذلك الطريق فهو منكر، كما قاله الإمام أحمد في حديث عبدالله بن دينار عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في(النهي عن بيع الولاء وعن هبته) [1] .
وهذا التعميم عندي فيه بعض النظر؛ إذ مقتضاه أن الإمام أحمد لا يحتج بتفرد الثقة مطلقًا ولو لم يخالف، وهذا فيه ما فيه كما سيظهر في بعض الأمثلة الآتية.
(النص الأول) : تكلم الإمام أحمد في حديث (نهى عن بيع الولاء وعن هبته) فقال: (لم يُتابع عبدالله بن دينار عليه) ، قال ابن رجب: (وأشار إلى أن الصحيح ما روى نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(الولاء لمن أعتق) لم يذكر النهي عن بيع الولاء وهبته [2] .
قلتُ: وروى نافع عن ابن عمر من قوله النهي عن بيع الولاء وعن هبته، غير مرفوع، وهذا مما يعلل به عبدالله بن دينار) [3] .
وعبدالله بن دينار ثقة مستقيم الحديث عند الإمام أحمد [4] ، وعند غيره، ولكن استنكار الإمام أحمد - فيما يظهر لي - راجع إلى ما ذكره ابن رجب من مخالفة وليس لمجرد التفرد فقط.
وحديث عبدالله بن دينار في الصحيحين [5] ، وكذلك حديث نافع [6] (الولاء لمن أعتق) فيهما أيضًا، وأحمد يقدم نافعًا على ابن دينار، ويرى أنه أكبر وأقوى منه [7] ، ولهذا رجح روايته.
فلا يستقيم احتجاج ابن رجب في النص السابق بكلام أحمد على هذا الحديث على أن تفرد الثقة يعد منكرًا؛ لأن الثقة قد خولف ممن هو أقوى عند الإمام أحمد ولذا تكلم في تفرده.
ويشبه ما تقدم قول ابن رجب بعد كلامه السابق: (وكذا قال أحمد في حديث مالك عن الزهري عند عروة عن عائشة:(إن الذين جمعوا الحج والعمرة طافوا حين قدموا لعمرتهم، وطافوا لحجهم حين رجعوا من منى) [8] .