• أن تكون تلك المفسدة راجحة على مصلحة الفعل المأذون فيه.
• أن يكون أداء الفعل المأذون فيه حيلة إلى المفسدة غالبًا.
وبيّن ما هي المفسدة التي تُسد ذريعتها؟ فالمفسدة ضد المصلحة، وهي كل ما عُلم مفسدتها بطريق الشرع، ومن المعلوم أن الدين جاء ليحفظ ضرورياته الخمس: (الدين، النفس، العقل، المال، النسب- أو النسل) فكل ما أفسد هذه الضروريات، أو أحد منها باعتبار الشرع فهو مفسدة، وليس لأحد أن يحدد مصلحة أو مفسدة لأمر ما بمجرد عقله وهواه، إذ إن ذلك من خصوصيات الشرع، ومعلوم عند كل عاقل أن العقل السليم يوافق النقل الصحيح.
وقاعدة سد الذرائع تقوم على المقاصد والمصالح، فهي تقوم على أساس أن الشارع ما شرع أحكامه إلا لتحقيق مقاصدها، من جلب المصالح ودرء المفاسد، فإذا أصبحت أحكامه تستعمل ذريعة لغير ما شرعت له، ويتوسل بها إلى خلاف مقاصدها الحقيقية، فإن الشرع لا يُقرُّ إفساد أحكامه، وتعطيل مقاصده، وقد عُلم بالاستقراء أن موارد التحريم في الكتاب والسنة يُظهِر أن المحرمات منها: ما هو محرم تحريم المقاصد، كتحريم الشرك والزنا وشرب الخمر والقتل العدوان وغيرها، ومنها: ما هو تحريم للوسائل والذرائع الموصلة لذلك والمسهلة له.
وهذه القاعدة -سد الذرائع- دلت عليها نصوص كثيرة من الكتاب والسنة، كقوله تعالى: {وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [ (108) سورة الأنعام] فنهى الله تبارك وتعالى عن سب آلهة الكفار؛ لئلا يكون ذلك ذريعةً إلى سب الله تعالى، مع أن سب الكفار في أصله مشروع، لكن إذا أفضى إلى مفسدة سبهم لله تعالى فإنه يُنهى عنه.
ونهى سبحانه عن كلمة: (راعنا) في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا} [ (104) سورة البقرة] لئلا يكون ذلك ذريعةً لليهود إلى سب النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن كلمة: (راعنا) في لغتهم سب للمخاطب، وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا} [ (97) سورة النساء] ففي هذه الآية نهى الله تعالى عن الإقامة في أرض الكفر، وترك الهجرة إلى بلد الإسلام، مع أن الإقامة لا يلزم منها في ظاهرها كفر ولا نفاق، ولا ما دون ذلك، ولكن لما كانت