هذا الذي وصل لهذه المرحلة من التقوى العليا أصبحت نفسه طاهرة طيبة وأضحى عمله كلّه خيرًا حسنًا لا يصدر منه إلاَّ كل فضل وإحسان، إذ أنَّى للشيطان أن يسيِّره بمراميه القذرة، لقد أضحى إنسانًا محفوظًا بنور الله عن طريق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.. هذا أضحى خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسعى ويجهد لما في قلبه من رحمة اقتداءً برسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهداية إخوانه في الإنسانية ويخاف عليهم سوء المصير.. وما الأمراض التي تصاب بها تلك الفئة العظيمة الإنسانية من الناس إلاَّ للترقية والسمو في معارج الكمال الإلهي كمن سبقهم؛ إمامهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وغيره من الرسل الكرام صلوات الله عليهم أجمعين.. فكانت أمراضه الجسمية - صلى الله عليه وسلم - محوِّلة له عن آلامه النفسية العالية التي يلقاها من صدود البشرية عن دين الله.. مثل ذلك كمثال الأم التي ترى ما في ابنها الحبيب من علل وأمراض تفتك به فتتلوى وتذهب نفسها عليه حسرات، تودُّ الأخذ بيده مما هو فيه.. حتى تكاد تهلك نفسها، عندها يتداركها الله بألم ضرس يحوِّلها عن حالها النفسي الأليم العصيب كي لا تُهلك نفسها.. هذا مثال مصغر، أما حقيقة رحمته - صلى الله عليه وسلم - وخوفه على مصير البشرية بعد الموت من الحرمان والشقاء فأعظم من ذلك بكثير.. حتى خاطبه تعالى مهوِّنًا عليه:
{طه، مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} (1) .
{..فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ..} (2) .
{فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} (3) .
(1) سورة طه: الآية (1-2) . …… (2) سورة فاطر: الآية (8) .
(3) سورة الكهف: الآية (6) .