ربنا الذي أعطى كل شيءٍ خلْقه: فهل من مخلوقٍ خَلَق؟. هل أنت أو أنا، أو أي مخلوق هو الذي منح نفوس الجبال حجمها الشاهق وجسَّدها هذا التجسيد العظيم الثابت؟. وتلك المناطق القطبية من يمنحها ثلوجها المونقة الرائقة ببريقٍ يكاد يخطف بالأبصار للإله العظيم الواحد القهَّار منظِّمها ومكوِّنها ومصرِّفها للخير وديمومة العطاء، والبحار ومياهها المغدقة بأمواجها المتلاطمة الدائمة، والأشجار بحياتها واخضرارها المونق المورق المثمر بالطعوم الطيبة، والأشكال البديعة الغنية الساحرة الممتعة، والينابيع ومسالكها وخزَّاناتها، والقمر مادته ودورانه ودورته، والشمس وشكلها البديع وإمدادها، والنجوم خلقها وحملها، وأمدَّك وهو الآن يمدُّها ويمدُّك وهو معها ومعك، ولها دورة ثم تنقضي فهو الحاكم المهيمن عليك وعليها عطاء ورحمة وجمالًا ومتعة لك وإرضاء.
هي بالأصل كلّها نفوس اشتقت من موجدها بعالَم الخلْق الأول (خلق النفوس) والذي يسمُّونه بـ (عالَم الأزل) كمالات بدرجات متفاوتةٍ، فبمقدار تشربها شكَّل ربُّنا لها أجسادًا مادية تحقِّق كسبها وتديمه وتسعد به هذه النفوس الظمئة إلى عطاء بارئها راضية بما منحها وبه يسعدها.
وأما أنت أيها الإنسان المكلَّف العظيم من بين كل الكائنات المسخَّرة لك، السائرة بعظمتها وجلالها من نجوم هي أكوان في وسعتها وضيائها وأنوارها الكبرى.. كلها تسبح بربِّها هائمة وهو يسبِّحها لتؤدي لك ما هي له خُصِّصت.. إلى غيرها من عوالم وعوالم كلها لخدمتك وكله سائر ضمن نظام.. أفليس للإنسان نظام يبلغ به سعادته الكبرى وتمام الكمال!. فتعالى سبحانه ما أعظمه الذي جعل لكلِّ شيء في الكون نظامًا.. وأنت أيها الإنسان العظيم ألم يجعل لك نظامًا!.