فقه ( الستر ) عزيز جدًا في زماننا ، نادر وجوده في أخلاقنا ، فما أن تقع عين أحدنا على عثرة أخيه ، وتلمح تلبّسه في معصية أو مخالفة .. حتى ينطلق في الآفاق ، محذرًا من هذا المنافق الأفاق ، فاضحًا أمره ، وكاشفًا لستر الله ، ويتخذ البعض منا في ظل غياب فقه ( الستر ) من تتبع العورات والحديث بها في المجالس مهنة خاصة ، يحترف أصولها، يتقن أساليبها، وينسى -إن كان غنيًا عن فضل الله ومثوبته لمن ستر وعفا- ما يمكن إن يتسبب به من أخطار عظيمة تهدد المجتمع بأسره، يترتب عليها فساد الناس وإفسادهم، وهذا في الحقيقة ما حذر منه المصطفى صلى الله عليه وسلم، حين قال لمعاوية رضي الله عنه:"إنك إن تتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت تفسدهم" ( رواه أبو داود) .
ولقد فقه سادتنا الأولون ، من سلف هذه الأمة ، هذا الفقه، وعاشوه واقعًا مباركًا ، حين ستروا وأمروا غيرهم بالستر ، فقد ذكر أن أبا بكر رضي الله عنه قال:"لو وجدت شاربًا لأحببت إن يستره الله ، ولو وجدت سارقًا لأحببت إن يستره الله".
وقد روي أن رجلًا أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: إن لي ابنة كنت وأدتها في الجاهلية، فاستخرجناها قبل إن تموت، فأدركت معنى الإسلام فأسلمت، فلما أسلمت أصابها حد من حدود الله تعالى، فأخذت الشفرة ( السكين ) لتذبح نفسها فأدركناها وقد قطعت بعض أوداجها ، فداويناها حتى برئت ، ثم أقبلت بعد توبة حسنة ، وهي تُخطب إلى قوم ، أفأخبرهم من شأنها بالذي كان ؟! فقال عمر:"أتعمد إلى ما ستر الله فتبديه ؟! والله لئن أخبرت بشأنها أحدًا من الناس لأجعلنك نكالًا لأهل الأمصار".
وللذين تمتلئ كنانهم بسهام تتبع العورات ، ويحرصون على نثرها ، كلما أصابت صيدًا ، وكأنها غنيمة كبيرة ، يلبسونها تارة رداء الوعظ والنصيحة ، وتارة رداء الحريص على نقاء الصفوف ، وتارة رداء الكشف عن"الساقطين".. نقول لهم مذكرين: