أن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، قد قَدَّر مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم، قدر آجالهم وأرزاقهم وأعمالهم وكتب ما يصيرون إليه من سعادة أو شقاوة، فكل شيء أحصاه في إمام مبين. فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ويعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، وهو قادر على كل شيء يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وأن للعباد مشيئة وقدرة يفعلون بها ما أقدرهم الله عليه مع اعتقادهم أن العباد لا يشاءون إلا أن يشاء الله. قال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) العنكبوت69
وأن الله تعالى خالق للعباد وأفعالهم وهم فاعلون لها حقيقة، فلا حجة لأحد على الله في واجب تركه ولا محرم فعله، بل له الحجة البالغة على العباد، ويجوز الاحتجاج بالقدر على المصائب لا على المعائب والذنوب. كما قال صلى الله عليه وسلم في محاجة موسى لآدم: (تحاج آدم وموسى، فقال موسى: أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك من الجنة، فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه ثم تلومني على أمر قد قُدّر عليّ قبل أن أخلق فحج آدمُ موسى) [رواه مسلم] .
أفعال العباد:
الأفعال التي يخلقها الله تعالى في الكون تنقسم إلى قسمين:
الأول: ما يجريه الله تبارك وتعالى من أفعاله في مخلوقاته، فليس لأحد فيها مشيئة واختيار، وإنما المشيئة لله، مثل الإحياء والإماتة والمرض والصحة.
قال تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) الصافات96. وقال تعالى) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) الملك2.
الثاني: ما تفعله الخلائق كلها من ذوات الإرادة، فهذه تكون باختيار فاعليها وإرادتهم؛ لأن الله جعل ذلك إليهم، قال تعالى: (لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ) التكوير28. وقال تعالى: (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا) الكهف29. فهم يُحمدون على المحمود منها ويذمون على المذموم، والله لا يعاقب إلا على أمر فيه اختيار للعبد، كما قال تعالى: (مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ) ق29. والإنسان يعرف الفرق بين الاختيار والاضطرار، فينزل من السطح بالسلم نزولًا اختياريًا، وقد يسقطه غيره من السطح، فالأول اختيار والثاني إجبار.
هذا بإختصار وإيجاز.