الصفحة 11 من 223

أثرها في تثبيت الفكرة التي يعالجها . وقد أجمع علماء البلاغة ، منذ الجرجاني والجاحظ ، على أن سر الجمال في كل نص ممتاز عائد بالدرجة الأولي إلى صياغته المحكمة ، وهكذا يتعاون الشكل الباهر مع المضمون القاهر في أدب الشيخ ، فيجعل له ذلك القبول في القلوب والعقول. ولهذا لم نفاجأ بجوابه عند استطلاعنا إياه عن أحب العلوم إليه ، إذ بدأ بذكر الأدب أولًا . والأدب عند الشيخ ـ كما نفهمه من خلال آثاره ـ ليس ذلك الذي يقوم على الدراسات المجردة ، بل هو كل عمل فني تتوافر فيه عناصر الجمال ، وتتفاعل به المشاعر على الصورة التي يسميها العرب بالسحر الحلال . وأحسبني قد أشرت فيما أسلفت من التراجم إلى قيمة هذا التفاعل الوجداني في تذوق الجملة القرآنية ، وقديمًا اعتبر العالم المفسر الأديب أبو حيان تعاطي الشعر ، والقدرة على تذوقه من الأسباب المساعدة على فهم القرآن والنفاذ إلى إعجازه البلاغي . ولعل من أبرز الملامح الدالة على خصائص المترجم الأدبية تلك الشواهد الرائقة من الشعر ، التي تستجيب له في عفوية بالغة ، لتحل من كلامه في المواضع المناسبة كتناسب العضو الحي في مكانه من الجسد الحي . والشيخ الصديق يعتبر الأدب ـ من أجل ذلك ـ هو الوسيلة المحققة في الإنسان خاصته الأولى التي أكرمه بها الخالق حين ( علمه البيان ) . ويلي الأدب في إيثاره ( الدراسات النفسية ) وهي التي عني بها أصحاب القلوب من الأئمة الذين جمعوا بين العلم والعبادة والزهد ، وخلفوا من ذلك كله تراثًا للأجيال ، لا يستغني عنه في معرفة النفس البشرية وما انطوت عليه من الأسرار العجيبة ، وما يعتورها من الأمراض والأعراض . ويشير من ذلك التراث إلي بعض المؤلفات المميزة مثل"صيد الخاطر"للإمام ابن الجوزى ، و"مدارج السالكين .."ص_022

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت