لقد كانت النتيجة المنطقية لإقامة عقيدتهم الوثنية المادية على أساس عقيدة الفلاسفة الدهرية الدورية المنكرين للبعث، ولكل تصرف إلهي في الخلق الذين يعتقدون أن العالم يتقلب من تلقاء نفسه في دورات تنتهي كل دورة في ستة وثلاثين ألف سنة -مثلًا- ليعود كل شيء إلى ما كان عليه وتبدأ دورة جديدة، وهكذا إلى ما لا نهاية، كانت النتيجة المنطقية لذلك عندهم ألا تكون هناك آخرة حقيقية أي دار حساب وجزاء وجنة ونار وإنما مجرد انتقال من دورة إلى دورة ومن عالم قديم إلى عالم جديد، ولكنهم للتمويه والتضليل وادعاء الانتساب إلى الإسلام والقرآن حشدوا كل ما يستطيعون تلفيقه من فلسفات وعبارات روحية للتغطية والتعمية وتزييف وإبطال صورة الآخرة والنعيم والعذاب في القرآن . ولم يتحرجوا من دس عبارات وفقرات تظهر مذهبهم وعقيدتهم الباطنية الحقيقية في الآخرة، فهذا عبد الله يوسف البهري في تعليقه رقم 4265 على آية { قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة … } ( الزمر 15) يقول: إن عبادة الشر تؤدي إلى تدمير أطيب وأغلى ما في نفوسنا وتسمم العواطف التي تربطنا بأهلنا و أصدقائنا وقومنا في (ضبط الأمور الأخير أو التصحيح النهائي) الذي نسميه يوم القضاء (أي أنه لا يوجد يوم قضاء وقيامة حقيقية) وهو يؤكد ذلك في تعليقات متعددة هي 4453، 5590، 5974، 5975، 5976، 5979، 5980، 5982، 5983 يسمِّي فيها هذا اليوم ويصفه بأنه يوم إجراء التصحيح الأخير للقيم وفجر الحقيقة الدائمة وإقامة العالم الجديد الذي يزول معه كل ما نضيق به في زمننا الحاضر وعالم الحقيقة الجديد الذي يتم فيه إحياء واستعادة وضع القيم الحقيقية ويكون عالم سلام وعدل تام وهو نفس ما ذكر سابقا عن العقيدة الإسماعيلية النزارية (1) .
(1) دراسة عن الفرق للدكتور أحمد جلي ص 236 .