معركة ما انقطعت جولاتها منذ ابتعاث النبيين بالحق ومنذ استكبار الباطل عليهم. معركة كانت الغلبة فيها دومًا للحق { وكان حقًا علينا نصر المؤمنين } (الروم:47) { بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون } (الأنبياء:18) . معركة كان سلاح المؤمنين فيها الحجة والبيان والمنطق والفهم.. ما أقواها من أسلحة أمام الادعاءات والمفتريات والأقاويل والأباطيل.
وهكذا كان توجيه الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يواجه قومه بكتابه الذي صرّفه وبيّنه ليتذكر الناس وليجاهد به الدعاة في هذه المعركة الفكرية: { ولقد صرّفناه بينهم ليذّكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورًا * ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرًا * فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادًا كبيرًا } (50-52) فكان القرآن الرد المستمر الداحض لافتراءات المشركين المتكررة: { ولا يأتونك بمَثلٍ إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرًا } (الفرقان:33) وكان القرآن هو العدة الروحية التي كانت تمد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثبات واليقين والسكينة في المعركة المفعمة بالسباب والكذب والافتراء، وفي مواجهة المعرضين المكذبين: { وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا * وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرًا * وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبتَ به فؤادك ورتلناه ترتيلًا } (الفرقان:30-32) .
البيان بكل لغة ولسان:
وإن بلغ البيان ذروة الكمال كما هو في كتاب الله عز وجل، وإن وصلت الحجة والمنطق إلى ما لا يمكن رده عقلًا وعدلًا، إلا أن الاهتداء والتسليم يتعذران إذا سكّرت الأبصار وغلّقت القلوب واستكبرت النفوس عن قبول الحق: { هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هنَّ أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله } (آل عمران:7) وهذا الموقف الرافض