ولا يعرف أن الشيخ انتصر لنفسه أَبَدًا، بل لقد سمعت رجلًا يقول له: (يا شيخ لقد اغتبتك فحللني) فقال الشيخ ـ رحمه الله ـ: (ظهري حلال لكل مسلم) !!!.
بل لقد قيل له في محاضرة عامة: (أن الشيخ فلان يقول إنك مبتدع فما رأيك) ؟؟ فقال ـ رحمه الله ـ: (هو عالم مجتهد) !!!.
أما أمره بالمعروف فقد كان الشيخ ـ رحمه الله ـ مثالا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فما يكاد يسمع بمكان يحصل فيه منكر إلا طلب من أهل العلم في ذلك المكان التحقق والكتابة له؛ فإن أكدوا له ذلك كتب للمسئول عنه وخوّفه بالله وأكد عليه ضرورة إزالته، وكان يتابع خطاباته ليتأكد من إزالة هذا المنكر، وكم جاءنا في مكتب الدعوة من خطاب يطلب التأكد من وقوع بعض المنكرات.
ولم يكتف بالأمر بالمعروف داخل المملكة بل أرسل برقيات لعدد من الحكام يأمرهم فيها بالمعروف وينههام عن المنكر.
ولما سمع الشيخ ـ رحمه الله ـ بأحد حكام الدول العربية وهو يسجن المؤمنين ويعذبهم ويقهرهم كتب له يخوفه من عذاب الله ويذكره بالله لعله أن يرتدع أو يتوب.
وكم كتب الشيخ ـ رحمه الله ـ لكثير من الصحف يرد على أولئك الكتّاب الجهلة الذين يجاهرون بالفسق والدعوة إليه، وهم يلبسون لباس التقوى، أو أولئك الجهلة الذين يفتون من غير علم بالكتاب والسنة. وكان ـ رحمه الله ـ يفرق بين من شهد له بالأعمال الحسنة وبين أهل السوء.
أما عبادة الشيخ ـ رحمه الله ـ فإنه كان يحج في كل سنة ولم يترك الحج منذ أن استطاع إليه سبيلًا إلا في هذا العام؛ فقد منعه الأطباء من الحج، وما ترك ـ رحمه الله ـ الصلاة في الجماعة أبدًا حتى في مرض موته، وكان ـ رحمه الله ـ إذا خرج الناس من عنده يقوم الليل ويدعوا ربه بما لا يستطع الشباب فعله.
وإن من أعظم آثار الشيخ ـ رحمه الله ـ أن كثيرا من العلماء كانوا لا يخرجون على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ـ رحمه الله ـ فكان الشيخ يعارض ذلك ويفتي حسب ما يقتضي الدليل رجحانه فخالفوه وتكلموا عليه فأظهره الله لصدق نيته وتجرده للحق.
ومنها ما اشتهر من أن شيخه مفتي الديار الشيخ محمد بن إبراهيم منعه من الفتوى بعدم وقوع الطلاق البدعي فأصر الشيخ ـ رحمه الله ـ عل الفتوى بها، وأخبرني شيخنا الشيخ عبدالله بن عقيل ـ وفقه الله لكل خير ـ أنه حضر مجلس الملك عبدالعزيز ـ رحمه الله ـ وقبل دخول الشيخ عبدالعزيز ابن باز طلب الشيخ محمد بن إبراهيم ـ رحمه الله ـ من الملك أن يمنع الشيخ ابن باز من الفتوى بالطلاق فلما دخل الشيخ أمره الملك أن يمتنع عن الفتوى فقال الشيخ: سأفتي بها وأصر على الفتوى بها ـ رحم الله الجميع ـ.
يا صاحبي:
إنه لا يعرف قدر هذه المصيبة إلا من عرف أثر الشيخ ـ رحمه الله ـ فإن كثيرا من العلماء كانوا يحجمون عن الفتوى في بعض المسائل ويرجعونها لسماحته، وكثير من المنافقين ينتظرون وفاة الشيخ ليظهروا ما عندهم من الشر والكفر والإلحاد، ومَنْ يَعِشْ مِنا فَسَيَرَى اخْتِلافًا كَثِيرًا وسَتَذْكُرُ مَا أَقُولُ لَك وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ.
يا صاحبي:
نحن شهداء الله في خلقه فلعلك سمعت أنه مُرَّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا فَقَالَ"وَجَبَتْ"ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا ... فَقَالَ:"وَجَبَتْ"فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْتَ لِهَذَا وَجَبَتْ وَلِهَذَا وَجَبَتْ قَالَ:"هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ"وها أنا أشهد ولعلك تشهد معي أن الشيخ أدي ما عليه وأنه خيرة العلماء في هذا الزمان ولا نزكي على الله أحدًا.
يا صاحبي اسمع قول من قال: