ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَالنّصَارَى لَا يَقُولُونَ فِي عِيسَى: إنّهُ نَبِيّ يَأْتِيهِ جِبْرِيلُ إنّمَا يَقُولُونَ فِيهِ إنّ أُقْنُومًا مِنْ الْأَقَانِيمِ1 الثّلَاثَةِ اللّاهُوتِيّةِ حَلّ بِنَاسُوتِ الْمَسِيحِ وَاتّحَدَ بِهِ عَلَى اخْتِلَافٍ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ الْحُلُولِ وَهُوَ أُقْنُومُ الْكَلِمَةِ وَالْكَلِمَةُ عِنْدَهُمْ عِبَارَةٌ عَنْ الْعِلْمِ فَلِذَلِكَ كَانَ الْمَسِيحُ عِنْدَهُمْ يَعْلَمُ الْغَيْبَ وَيُخْبِرُ بِمَا فِي غَدٍ فَلَمّا كَانَ هَذَا مِنْ مَذْهَبِ النّصَارَى الْكَذَبَةِ عَلَى اللهِ الْمُدّعِينَ الْمُحَالِ عَدَلَ عَنْ ذِكْرِ عِيسَى إلَى ذِكْرِ مُوسَى لِعِلْمِهِ أَوْ لِاعْتِقَادِهِ أَنّ جِبْرِيلَ كَانَ يَنْزِلُ عَلَى مُوسَى، لَكِنْ وَرَقَةُ قَدْ ثَبَتَ إيمَانُهُ بِمُحَمّدِ عَلَيْهِ السّلَامُ2 وَقَدْ قَدّمْنَا حَدِيثَ التّرْمِذِيّ أَنّ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَآهُ فِي الْمَنَامِ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ بِيضٌ إلَى آخِرِ الْحَدِيثِ.
حَوْلَ هَاءِ السّكْتِ وَالْفِعْلِ تُدْرِكُ:
وَقَوْلُ وَرَقَةَ لَتُكَذّبَنّهْ وَلَتُؤْذَيَنّهْ وَلَا يُنْطَقُ بِهَذِهِ الْهَاءِ إلّا سَاكِنَةً لِأَنّهَا هَاءُ السّكْتِ وَلَيْسَتْ بِهَاءِ إضْمَارٍ. وَقَوْلُهُ إنْ أُدْرِكْ ذَلِكَ الْيَوْمَ أَنْصُرْك نَصْرًا مُؤَزّرًا، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ إنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُك وَهُوَ الْقِيَاسُ لِأَنّ وَرَقَةَ سَابِقٌ بِالْوُجُودِ وَالسّابِقُ هُوَ الّذِي يُدْرِكُهُ مَنْ يَأْتِي بَعْدَهُ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَشْقَى النّاسِ مَنْ أَدْرَكَتْهُ السّاعَةُ وَهُوَ حَيّ، وَرِوَايَةُ ابْنِ إسْحَاقَ أَيْضًا لَهَا وَجْهٌ لِأَنّ الْمَعْنَى: أَتَرَى ذَلِكَ الْيَوْمَ فَسَمّى رُؤْيَتَهُ إدْرَاكًا، وَفِي التّنْزِيلِ: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} [الْأَنْعَام: 103] أَيْ لَا تَرَاهُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ. وَقَوْلُهُ مُؤَزّرًا مِنْ الْأَزْرِ وَهُوَ الْقُوّةُ وَالْعَوْنُ.
شَرْحُ: أَوَمُخْرِجِيّ؟
فَصْلٌ وَفِي حَدِيثِ الْبُخَارِيّ أَنّ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِوَرَقَةِ:"أَوَمُخْرِجِيّ هُمْ"لَا بُدّ مِنْ تَشْدِيدِ الْيَاءِ فِي مُخْرِجِيّ لِأَنّهُ جَمْعٌ، وَالْأَصْلُ مُخْرِجُوِيَ فَأُدْغِمَتْ الْوَاوُ فِي
1 الاقنوم: كلمة رُومِية مَعْنَاهَا: الأَصْل.
2 هَذَا بعيد عَن الصَّوَاب, لِأَن الْجِنّ الَّذين سمعُوا الْقُرْآن قَالُوا: {سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى} [الاحقاف: 30] انْظُر الرَّد على ذَلِك فِي"فتح الْبَارِي": 1/29.