وإذا كانت سعادة العبد في الدارين معلقة بهدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيجب على كل #
من نصح نفسه، وأحب نجاتها وسعادتها، أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به عن الجاهلين، ويدخل به في عداد أتباعه وشيعته وحزبه، والناس في هذا بين مستقل، ومستكثر، ومحروم، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم [1] .
معنى شهادة أن محمدًا رسول الله ومقتضاها
الحمد لله الذي ارسل رسوله بالهدي ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارا به وتوحيدا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما مزيدا.
أما بعد: فمن المعلوم أن معنى أشهد أن محمدا رسول الله. الإقرار بأنه رسول من عند الله، واعتقاد ذلك في القلب، ومقتضى هذه الشهادة يتلخص في أربعة أمور: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع، فإذا شهدت أنه رسول الله وجب عليك أن تطيعه فيما يأمرك به، وأن تجتنب ما نهاك عنه، وأن تصدقه فيما يخبر به عن الله تعالى وعن الغيوب الماضية والمستقبلة، وأن لا تتقرب بشيء من العبادات إلا إذا كان موافقا لشريعته، فتترك البدع والمحدثات وتترك الأقوال المخالفة لسنته مهما بلغ قائلها من العلم والفقه، فكل منا يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يقول الإمام مالك بن أنس رحمه الله: كلنا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر، يعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال الإمام محمد بن دريس الشافعي رحمه الله، أجمع العلماء على أن من استبانت له سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن له أن يدعها لقول أحد، ويقول الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [2] أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من
(1) انظر زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم رحمه الله بتحقيق الأرنؤوط 1/ 33 - 38و 69.
(2) سورة النور آية 63.