الاتباع، فلا يجب على أحد اتباع قول أحد سواء، بل غايته أنه يسوغ له اتباعه،#
ولو ترك الأخذ بقول غيره، لم يكن عاصيا لله ورسوله. فأين هذا ممن يجب على جميع المكلفين اتباعه، ويحرم عليهم مخالفته، ويجب عليهم ترك كل قول لقوله؟ فلا حكم لأحد معه، ولا قول لأحمد معه، كما لا تشريع لأحد معه، وكل من سواه، فإنما يجب اتباعه على قوله إذا أمر بما أمر به، ونهى عما نهى عنه، فكان مبلغا محضا ومخبرا لا منشئا ومؤسسا، فمن أنشأ أقوالا، واسس قواعد بحسب فهمه وتأويله، لم يجب على الأمة اتباعها، ولا التحاكم إليها حتى تعرض على ما جاء به الرسول، فإن طابقته، ووافقته، وشهد لها بالصحة، قبلت حينئذ، وإن خالفته، وجب ردها واطراحها، فإن لم يتبين فيها أحد الأمرين. جعلت موقوفة. وكان أحسن أحوالها أن يجوز الحكم والإفتاء بها وتركه. وأما أنه يجب ويتعين، فكلا، ولما.
ومن هاهنا تعلم اضطرار العباد فوق كل ضرورة إلى معرفة الرسول، وما جاء به، وتصديقه فيما أخبر به، وطاعته فيما أمر، فإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح لا في الدنيا، ولا في الآخرة إلا على أيدي الرسل، ولا سبيل إلى معرفة الطيب والخبيث علىلتفصيل إلا من جهتهم، ولا ينال رضي الله البتة إلا على أيديهم، فالطيب من الأعمال والأقوال والأخلاق، ليس إلا هديهم وما جاءوا به، فهم الميزان الراجح الذي على أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم توزن الأقوال والأخلاق والأعمال، وبمتابعتهم يتميز أهل الهدى من أهل الضلال، فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه، والعين إلى نورها، والروح إلى حياتها، فأي ضرورة وحاجة فرضت، فضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير. وما ظنك بمن إذا غاب عنك هديه وما جاء به طرفة عين، فسد قلبك، وصار كالحوت إذا فارق الماء، ووضع في المقلاة، فحال العبد عندمفارقة قلبه لما جاء به الرسل، كهذه الحال، بل أعظم، ولكن لا يحس بهذا إلا قلب حي و
ما لجرح بميت إيلام [1]
(1) عجز بيت للمتنبي وصدره: ... من يهن يسهل الهوان عليه
وهو في الديوان 4/ 277 من قصيدة يمدح بها أبا الحسين علي بن أحمد المري الخرساني.