فانحصرت العلة عند ابن معين والخطيب البغدادي في أبي معاوية ومن فوقه، وهذا هو الصحيح ـ إن شاء الله تعالى ـ، ليس كمن فهم أنهما يصححان الحديث.
وقد سبق أن بينت أن علة الحديث هي: تدليس الأعمش، ثم ذكرت علة أخرى وهي: تفرد أبي معاوية به ثم رجوعه عن التحديث به.
لكن تفرد ابن معين بتوثيق أبي الصلت الهروي مع وجود من اتهمه وضعفه من الحفاظ كأبي حاتم الرازي، وأبي زرعة، وغيرهما، مما يجعلنا لا نقبل توثيقه له، ولا سيما أن أبا الصلت الهروي كان يتصنع لابن معين فيما يظهر ويحسن إليه، حتى أحسن الظن فيه.
وهذا مما جعل الحافظ الذهبي ـ رحمه الله ـ أن يقول:
(جبلت القلوب على حب من أحسن إليها، وكان هذا [1] بارًا بيحيى، ونحن نسمع من يحيى دائمًا، ونحتج بقوله في الرجال، ما لم يتبرهن لنا وهن رجل انفرد بتقويته، أو قوة من وَهّاه) . [2]
وبهذا يظهر لي ـ والله أعلم ـ أن ابن معين لم يعرف حال أبي الصلت جيدًا كما عرفه الأئمة، وإنما جاء توثيقه له بمتابعة الفيدي، وهذا لا يكفي، ومن علم حجة على من لم يعلم، فيقدم الجرح هنا على التعديل، ولا يلتفت إلى توثيق ابن معين له!!!.
ومما يدل على أن أبا الصلت كان يكذب ما ذكره العلامة المعلمي ـ رحمه الله ـ قال: (وأبو الصلت فيما يظهر لي كان داهية، من جهة خدم علي الرضا بن موسى بن جعفر بن محمد علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وتظاهر بالتشيع، ورواية الأخبار التي تدخل في التشيع، ومن جهة كان وجيهًا عند بني العباس، ومن جهة تقرب إلى أهل السنة برده على الجهمية، واستطاع أن يتجمل لابن معين حتى أحسن الظن به ووثقه، وأحسبه كان مخلصًا لبني العباس وتظاهر بالتشيع لأهل البيت مكرًا منه لكي يصدق فيما يرويه عنهم، فروى عن علي بن موسى عن آبائه الموضوعات الفاحشة كما ترى بعضها في ترجمة علي بن موسى من التهذيب، وغرضه من ذلك حط درجة علي بن موسى وأهل بيته عند الناس، وأتعجب من الحافظ ابن حجر: يذكر في ترجمة علي بن موسى من التهذيب تلك البلايا وأنه تفرد بها عنه أبو الصلت، ثم يقول في ترجمة علي من التقريب: صدوق والخلل ممن روى عنه،
(1) أي: عبد السلام الهروي.
(2) سير أعلام النبلاء: (11/ 447) .