وإذا ما تذكرنا أخوال نجم الدين وأعمامه ، وأبناء خؤولته وعمومته ، وكلهم ما بين عالم وفقيه وقاض ومفتِ ، تبين لنا أَن محيطه منذ فتح عينه على الدنيا بيئة علمية ، رعت نبوغه وغذت شغفه بالعلم .
أما مكانته العلمية بين علماء عصره ، فقد تجلت عندما نازعه ابن الأطروش المتوفى سنة 784هـ-1382م في تدريس الخاتونية ، فكتب له أئمة الشام إِذ ذاك محضرًا وبالغوا في الثناء عليه ووصفوه بأنه شيخ الحنفية بالشام ، وكان ممن كتب المحضر وأدى هذه الشهادة أبو البقاء السبكي الشافعي . (707-هـ777هـ) . وناصر الدين بن الربوة الحنفي (679هـ-764هـ) وغيرهما .
كما تظهر حكمة والده وبعد نظره من طريقة تنشئته إياه وتوجيهه له ، فقد حرص على أن يأخذ العلم من العوالي منذ صباه ، واستمر ينقله من قمة علمية إلى أخرى . وعندما تنازل له عن قضاء القضاة سنة 746هـ أجلس فوقه شيخ الشيوخ بدمشق ، شرف الدين الهمداني المالكي (60) لكبر سنه وليستقي من علمه وفضله وبركته .
هكذا تنقل به والده بين كبار علماء عصره ، فغاص في علوم الدين من خلال المذاهب الأربعة ببراعة وحسن فهم وتمحيص . ولئن كان التشدد المذهبي ينتزعه أَحيانًا من موضوعيته فلأَن ذلك كان سمة العصر . على أنه بلغ مرتبة الاجتهاد بالرغم من المنية التي اخترمته ولما يبلغ الأربعين ، فحرم الفقه وعلومه رجلًا فَذًّا قَلَّ نظيره وندر مثيله ، ولا يفرى فريه .
أما تلاميذه ومريدوه فلم تسعفنا المراجع التي بين أيدينا بذكر أسمائهم وإن كانت القرائن كلها تشير إلى كثرتهم عددًا ، وتنوع ما أخذوا عنه علمًا وفقهًا وقضاءً ، لاسيما وقد مارس التدريس منذ بلوغه خمس عشرة سنة في عدة مدارس لعدة مذاهب:
درس بالنورية الصلاحية المالكية ، التي أسسها نور الدين زنكي وأتم بناءها صلاح الدين الأيوبي . ودرس بالإقبالية الشافعية التي أَنشأها إِقبال ، خادم نور الدين زنكي وصلاح الدين الأَيوبي .ودرس بالخاتونية الحنفية التي أنشأَتها خاتون بنت معين الدين زوجة نور الدين زنكي ، ودرس في غيرها من مدارس دمشق وجوامعها ومكتباتها . حتى إذا حضرته الوفاة - رحمه الله- اهتزت دمشق علماء وطلبة وعوامًا ، وكانت جنازته حافلة وصلى عليه الأمير علي المارديني نائب دمشق إمامًا .
مصنفاته:
بلغ عدد مصنفاته المذكورة في كتب التراجم واحدًا وعشرين مصنفًا وهي ما يلي:
1-أنفع الوسائل إِلى تحرير المسائل في الفروع ، يعرف بالفتاوى الطرسوسية ، طبع بعنوان الفتاوى الطرسوسية ، نشره مصطفى خفاجي بالقاهرة 1345هـ /1926م .