الصفحة 16 من 149

مدخل إلى عصر المؤلف

تمهيد

يشكل العصر الذي عاش فيه نجم الدين إبراهيم الطرسوسي (1) ـ القرن الثامن الهجري ، الرابع عشر الميلادي - نقطة تحول خطيرة في التاريخ الإسلامي ؛ ففيه تراكمت كل سلبيات نظم الحكم السابقة ، وأنتجت ثمارها في جميع مجالات السيادة والسياسة ، والاقتصاد والاجتماع والقوة العسكرية . وكان بذلك قاعدة الارتكاز التي استندت إليها معظم حالات الانهيار والتفسخ ، والممارسات المنحرفة التي آلت إليها أوضاع البلاد والعباد ؛ من بداية عهد بني أمية ، إلى أن اقتسم المماليك أقطارها ، ثم ورثها بعدهم آل عثمان . ومن سقوط الأندلس وكافة جزر الأبيض المتوسط في يد الصليبيين ، إلى أن سقطت البلاد كلها بيد الاستعمار ، في القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين ؛ ثم تحررت شكليًا منه في إطار دويلات قطرية ، تتعاقب عليها - رغم أنف شعوبها - نظم عشائرية أو عسكرية ، بنهج وراثي أو انقلابي تحت مظلة الحماية الأجنبية .

ولا عبرة بحالات عابرة مرت بها المنطقة منذ عصر الأمويين ، أطلق عليها مراحل نهوض ويقظة وتقدم ، لأنها لم تكن سوى طفرات عابرة ، أثمرتها محاولات فردية فوقية تحكمية ، لم تؤسس على قاعدة متينة من نظام سياسي رشيد ، أو نضج فكري ، أو نظرة عميقة تستشرف المستقبل وتخطط له .

في هذا القرن لاحت لدى أمم النصرانية في أوربا مؤشرات التوجه نحو النهضة ، بانبعاث الروح الدينية لدى حكامها وشعوبها ، مع ما صاحب ذلك من الشعور بالانتماء إلى أرض الأندلس وجزر المتوسط ، ومواطن مقدساتهم في الشام ، والبغض الشديد للمسلمين الذين اعتبروهم أغرابًا عن دينهم وقومهم وأرضهم ؛ فكانت هذه العوامل كفيلة بتوحيد صفوفهم ، وتجاوز تناقضاتهم القطرية والعرقية واللغوية ، وخلافات أسرهم الحاكمة ، من أجل أهداف توحد ولا تفرق ومناهج في مكافحة المسلمين تعصم من التآكل الذاتي ، وتوجه لالتهام أراضي الغير وممتلكاته .

كما ظهرت لديهم بوادر النضج السياسي ، ببروز ملامح دولة المؤسسات ، التي تتكامل فيها مراكز القوة ولا تهيمن على بعضها ، ويضيق فيها مجال الاستئثار بالقرار والاستبداد بالرأي، فكانت مؤسسة الكنيسة المستقلة بنفوذها لدى الحكام والشعوب ، ومؤسسة الإقطاع بقوته الاقتصادية التي تمول الحروب وتستثمرها ، ومؤسسة الأسر الحاكمة المحتاجة إلى تزكية الكنيسة وأموال الإقطاع ؛ وتكونت من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت