البقرة، ولما رواه أبو هريرة [1] والفرضُ في أهل الكتابِ ومَنْ دانَ دينهم قبل نُزول الفرقان [2] أن يقاتَلوا حتى يُسلموا، أو يُعْطوا الجِزْيَةَ؛ لِما ورد في سورة (براءة) ، ولحديث ابنِ بريدة.
فإن قلتم: حديثُ ابنِ بريدةَ كانَ قبلَ الفتحِ؛ بدليل قولهِ - صلى الله عليه وسلم:"ثم ادعُهُمْ إلى التَّحَوُّلِ من دارِهِمْ إلى دار المُهاجرين"، فهل يجوزُ أن يكونَ منسوخًا بحديث أبي هريرة، وأنه لا يقبل منهم إلا الإسلام؛ لكون إسلام أبي هريرة بعد الهجرة؟
قلت: قد أجمع المسلمون على قبول الجزية كما ورد في كتاب الله -سبحانه-، وفي سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وفي عمل الصحابة -رضي الله تعالى عنهم -، فلا يجوز نسخُهُ، ولأنه يؤدي إلى إبطال آية (براءة) ، ولا دليل على نسخها.
وأما تأخر إسلام أحد الراويين، فلا يكون دليلًا على النسخ؛ لجواز أن يكونَ رواهُ عمَّن قَدُم إسلامُه، ثم أرسله عنه.
فإن قلتم: فهل يجوز لقائل أن يقولَ: يجوزُ أخذُ الجزيةِ من عبدَةِ الأوثان بحديثِ ابنِ بُريدةَ؛ بدليل أنَّ الذين كانَ يبعثُ إليهمُ السرايا كانوا أهلَ أوثانٍ، لا أهلَ كتابٍ، ويجوزُ أخذُها من أهلِ الكِتاب بآية (براءة) ؟
قلت: لا يجوزُ -والله أعلم- القولُ بذلك [3] ؛ لما فيه من إبطالِ قوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} [البقرة: 193] من غير دليل يدُّل على
(1) وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - السالف:"لا أزال أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله ..."الحديث.
(2) أي: من اتبع دين النصارى قبل النسخ ونزول القرآن، أو دين اليهود قبل نسخه بالإنجيل، والله أعلم. انظر:"مغني المحتاج"للشربيني (6/ 63) .
(3) تقدم أن هذا هو قول الإمامين مالك والأوزاعي.