ويدلُّ على هذا ما رويناهُ في"سننِ البيهقيِّ"عن عمرِو بن مُرَّةَ، عن ابنِ أبي ليلى، وقد تقدمَ ذكرُه قريبًا [في صدر الكلامِ على أول الآيَة] [1] .
لكن ما ذكرَهُ الشافعي عن أهلِ العلمِ غيرُ مُسَلَّمٍ، وإنما وَهِمَ أبو عبد الله، بلِ الآيةُ تنزلُ متفرقةً، وينزل بعضُها دون بعضٍ، وقد رويَ في"صحيح البخاري"عن سهلِ بنِ سعدٍ قال: أنزلت: {كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} [البقرة: 187] ، ولم ينزلْ {مِنَ الْفَجْر} ، وكان رجالٌ إذا أرادوا الصوم ربطَ أحدُهم في رجليه الخيطَ الأبيضَ والخيطَ الأسودَ، ولا يزالُ يأكلُ حتى يتبينَ له رؤيتُهما، فأنزل الله بعدُ: {مِنَ الْفَجْر} [2] .
وروي أنه لما أُنزلَ قولُه تعالى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ ... وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [3] [النساء: 95] شقَّ على أُولي الضَّرَر، فأنزلَ اللهُ سبحانه: {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} [النساء: 95] .
قال ابنُ عباسٍ: ليستْ منسوخةً، بل هو للشيخِ الكبيرِ والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكانَ كلِّ يومٍ مسكينًا [4] ، وكان يقرأ:
(1) ما بين معكوفتين ليس في"أ".
(2) رواه البخاري (1818) ، كتاب: الصوم، باب: قول الله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ ...} ، ومسلم (1091) ، كتاب: الصيام، باب: بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر. وتمامه:"فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار".
(3) رواه البخاري (4235) ، كتاب: التفسير، باب: {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ ...} .
(4) رواه البخاري (4235) ، كتاب: التفسير، باب: {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ ...} .