الصفحة 266 من 492

ومن الأمثلة أيضًا على مفهوم الموافقة الأولوي: ثبت في الحديث أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يبول فجاء رجل فسلم عليه فلم يرد حتى أتى الجدار فتيمم ثم سلم عليه ثم قال: (( إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر ) )فهنا نص في أن الطهارة مستحبة لذكر الله تعالى ، والسلام من ذكر الله تعالى بنص هذا الحديث فإذا كانت الطهارة مطلوبة استحبابًا للسلام لأنه ذكر ، فلئن تكون مطلوبة لقراءة القرآن والتسبيح والتهليل والحمد والتكبير ولحلق العلم من باب أولى وأحرى ، لأن هذه الأشياء أعظم من مجرد السلام ، فتدخل هذه الأشياء في هذا الحديث من باب أولى ، فيكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قد نبه بالأدنى الذي هو السلام على الأعلى ، وهذا هو مفهوم الموافقة ، وقد حصل لي أن قلت يومًا: إن الطهارة للجلوس في حلق الذكر مستحبة ، فصادمني أحد الطلبة من أحبابي بقوله: ألست تقول إن الأصل في العبادات الحظر والتوقيف وأن الاستحباب حكم شرعي فلا يثبت إلا بدليل فأين الدليل الدال على مشروعية الطهارة لحلق الذكر ؟ فقلت له: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - امتنع عن رد السلام على من سلم عليه معللًا ذلك بأنه كره أن يذكر الله إلا وهو على طهارة ، فنبهنا بهذا على علو شأن ذكر الله وأنه يجمل بالإنسان أن يكون حال الذكر على أتم الأحوال وحلق العلم من رياض الجنة فيها يذكر الله تعالى ويعلّم الجاهل ويستفيد المتعلم وفيها قال الله وقال رسوله - صلى الله عليه وسلم - بل من شرفها حفتها الملائكة وغشيتها الرحمة ونزلت عليها السكينة ، وصارت سببًا للمغفرة ، فهي بلا شك أعظم من مجرد السلام فإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - كره السلام حتى توضأ لأنه من ذكر الله ، فلا شك أن ما هو أعظم منه يدخل في حكمة من باب أولى ، ومن ذلك حلق الذكر وهذا هو هدي السلف فقد ثبت عن كثير منهم أمرًا وفعلًا بالطهارة ولبس أحسن الثياب والطيب قبل المجيء لحلق الذكر وهذا كله من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت