ومن الأدلة أيضًا: أن هذا الصحابي الذي روى لنا هذا الخبر حفظه من النبي - صلى الله عليه وسلم - وتوفرت همته لنقله وغيره قد يكون مشتغلًا بغيره أو أنه اكتفى بنقل غيره طلبًا للسلامة ، أو أنه سأل عنه وأخبر بجوابه وتعبد لله به ولم ينقله إذ ليس كل من يعلم شيئًا ينقله ، فلا يوجب ذلك أن نرد خبر من حفظ وتوفرت همته للنقل إذ عدم نقل غيره ليس قادحًا في نقله .
ومن الأدلة أيضًا: أن الأدلة العامة دلت على وجوب قبول خبر الواحد بالإطلاق كما مضى سياقها في القاعدة الأولى ، والمطلق لا يجوز تقييده إلا بدليل ولا دليل يدل على أن خبر الواحد لا يقبل إذا كان فيما تعم به البلوى ، فإن من اشترط لقبوله أن لا يكون فيما تعم به البلوى فإنه قد جاء بمقيدٍ للأدلة الدالة على وجوب قبوله بلا دليل يدل عليه ، والأصل أن يجرى المطلق على إطلاقه ولا يقيد إلا بدليل فمن ادعى هذا الشرط فعليه الدليل ، والله أعلم .
إذا علمت هذا فاعلم أن الحنفية قالوا: مثل هذا الخبر لا يقبل واستدلوا على ذلك بقولهم: إن ما تعم به البلوى وتكثر الحاجة لبيانه لابد أن يكثر السؤال عنه وإذا كثر السؤال عنه فلابد أن يحرص النبي - صلى الله عليه وسلم - على البيان الواضح والبلاغ التام وكثرة التأكيد عليه وحينئذٍ فلابد أن يكثر ناقلوه وحافظوه منه ، أي أن الهمم تتوفر لنقله فيشتهر عادة فلما لم ينقله إلا الواحد فقط وترك الأكثرون نقله دل ذلك على أن هذا الواحد في نقله شيء من النظر إذ كيف لا ينقله الناس مع اشتهاره بينهم وينقله الواحد فقط ، فهذا دليل على أن خبره مدخول ، وبه ظِنَّة أي تهمة . هكذا قالوا: والجواب عن ذلك من أوجه: