الصفحة 14 من 393

وواحدة فاتت أَخانا (أَبو أَنس) ما كان ينبغي أَن تفوته، وهي: أَن يبني بابًا خاصًا، ياتي فيه على التعريف بالإِيمان، على ما درج عليه السلف السَّابقون، ويدحض التمويه بالباطل، الذي سَّرده أَهله واجتباه المتردُّون بأَهوائهم في حقب القرون، وبخاصة أُولئك الأَصاغر البُلْه، ممن حسبوا أَنفسهم أَنهم على شيءٍ، حين أَتوا على وادٍ غير ذي زرعٍ، جفَّ ماؤُه، واستطال شوكه، وانقطع رجاؤُه، ومن ورائهم، ظالم لنفسه غير محسن بجهله، آبٍ على الحق والصواب.

جزى الله الأَخ الفاضل (أَبو أَنس) على إِحسانهِ، بإِحسانِ (( طرقه ) )بابَ (( إِحسانٍ ) )لياخذ عنه (( أَحسن ) )العلم، بأَحسن شبيه، فيحسن به على الناس، من غير منٍّ بشيءٍ ممَّا (( أَحسن ) )الله به عليه، فأَصاب من (( أَحسنه ) )لنفسه، شاكرًا لأَنعُم الله، الذي أَحسن صنع كل شيءٍ، سبحانه، وهو الغني بمحاسنه، هو أَحسن الخالقين.

فإن من حقِّ العلم أَهله أَن يوقِّروه ويعظِّموه، وذلك بأَن يكون سلوكًا صالحًا يجري على جوارحهم، وكلامًا حسنًا يطرق أَلسنتهم، وتفكيرًا طيبًا سديدًا تجرحه قلوبهم، فإذا هذا العلم بيان صريح يفصح عن دخائلهم، وسنًا مشرق يجلِّل وجوههم، وبرهان جليُّ يبين للناس عن سرائرهم وخفيِّ أَحوالهم، فيكون لهم بعلمهم خير أَمين ما حض، يعبق شذاه في الدنيا، يصرِّفونه حيثما وكيفما وأَينما أَرادوا، فقد ـ بما حواه من الأَحكام والآداب والأُصول ـ سجيَّةً راعية تضعُ من ذاتها فضلًا لكلِّ من يحبه ويحرص عليه، وذلك فضلُ الله يؤْتيه من يشاءُ.

أَما أَن يكون العلم كتوراه اليهود، فأَحسن وأَدقُّ ما يكون ظهورًا وبيانا ً في وصف أَهله ـ الموتورةِ قلوبهم، الممعَّرَةِ وجوهُهم المبسوطةِ بالأَذى والسُّوءِ أَلسنتهم ـ قول الله سبحانه: (( مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها، كمثل الحمار يحمل أَسفارًا ) )، وهؤُلاءِ، نسأَل الله العافية والسلامة من كل سوءِ ـ كثيرون في زماننا هذا، الذي فُئدَ قلبُه، وحار أَمره، وعَشي بصره بهم ـ حتى إِني لأَكاد أَقول: إِن هذا الزمان يودُّ أَن لو ييكون تمنَّى على الله، أَن يجعل مولد هؤُلاءِ خراسان، ليكونوا أَسرع أَنصار الدَّجال حين يخرج من خراسان فيفرحون به ويفرح بهم، وعندنا ـ والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، أَرهُط منهم، كانوا من إِرهاصات الدَّجال، تجرَّعت منهم الأُمة الصَّابَ، وأَصناف الأَذى والبلاءِ، ومن كان مثلي فهو شجاع بصبره عليهم.

ولعلَّ أخانا (أَبو أَنس) وفقه الله، كان واحدًا ممن صبروا، فآنَسَ من سنِّ قلم إلهامًا، شد إِليه رحلَ فكره، فأَنشأ كتابه الأَول (إتحاف ذوي الألباب بما في الأقوال والأفعال من الثواب) ، الذي أَسعدني بطلب منه أَن أَقدِّم له فكان، ثم كان كتابه الثاني (تحذير الأنام بما في الأقوال والأفعال من الثواب) ، وطلب إليَّ أن أُقدمه على نحو صنوه، وها أَنا ذا أَصنع له كالذي صنعت له من قبل، وهو حقيق أَن لا يُخلَفَ ظنُّه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت