على أرض معينة ، ولانحكم على جهاد أي طائفة تقاتل نظاما مرتدا كما في بعض البلاد الإسلامية ، فهم أعلم بأحوال جهادهم ، بل ندعو الله تعالى أن يبصرهم وينصرهم ، وحتى لو لم ينجحوا فنحتسبهم عند الله شهداء ، قاموا لربهم ودينهم ، ووجب علينا شكرهم ، ولإيضاح ما ذكرت في الجواب السابق أقول: سبب أن المواجهة المسلحة في ظل الأنظمة المرتدة الحالية تفشل غالبا ـ فقد ذكرت أنه حكم أغلبي وليس مطلقا ـ هو أنها لاتجمع عوامل نجاح مشروعها قبل انطلاقه ، والله تعالى قد جعل لكل شيئا سببا ، واقام الحياة على سنن كونية ،وأمر باتباع الأسباب الكونيّة التي جعلها تثمر مسبباتها ، حتى في الصراع الديني مع أعداء الدين ، وكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل وهذا في سيرته في غاية الوضوح . ومعلوم أن واقع الدولة اليوم واقع معقد ، ونظامها الأمني محكم خاصة في الدول"البوليسية"، كما أن ارتباط الدولة بالنظام العالمي وارتابط الدول ببعضها معقد أيضا ، وهو عامل كبير ومؤثر جدا في التغيير ، ولهذا فإن مشروع التغيير ـ جهاد النظام المرتد ـ يحتاج من الإعداء والحذر مالم يكن مثله فيما مضى من التاريخ . ومن أهم عوامل النجاح أن تكون القوة العسكرية للطائفة المجاهدة تكافىء حجم مشروعها ، وأن يكون انتشارها كاف ، وأن تكون حائزة أو تتوقع أن تنال مساحة مناسبة من القبول الشعبي لمشروعها . فإن كانت الطائفة هي نفسها المستحوذة على المؤسسة العسكرية فهي قوة ضاربة ومشروعها أقرب إلى النجاح ، لكن يبقى عليها أن تستكمل بقية العوامل قبل أن تجاهد النظام المرتد ، ولكن المشكلة الكبيرة إن لم تكن كذلك ، أو لم تستطع أن تحيد المؤسسات الصلبة ( العسكرية ) ، ففي هذه الحالة يكون مشروعها محفوف بالمخاطر إلا إن كان هدف الطائفة المجاهدة هدفا جزئيا، وهو التخلص من طاغية لانها ترى أنه مهما يكن من يأتي بعده فهو أهون ، فهذه شانها يختلف وقد ذكرت هذا أظن في جواب سابق . وإذا وجد أهل الجهاد أنفسهم في أحوال يكون المشروع الجهادي بحاجة إلى استكمال عوامل نجاح المشروع فيجب عليهم شرعا أن يبدأوا بالإعداد حتى تأتي ساعة الصفر ، فإن رأوا أنهم غير قادرين على استكمال عوامل نجاحه بسبب عدم صلاحية البيئة والأرض ، فإنهم ينتقلون إلى بيئة أخرى للإعداد للجهاد فيها ـ ولهذا شرعت الهجرة ـ ، فإن لم يكتب الله لهم ذلك ، فإنها الغربة فالصبر عليها مع القيام بسائر واجبات الدين ومنها الدعوة ، أو الغربة مع العزلة ، إن كان الحال كما ورد في الحديث ( إذا رأيتم الناس قد مرجت عهودهم ، وخفت أمانتهم ، وكانوا هكذا ـ وشبك بين أصابعه ـ فالزم بيتك وأملك عليك لسانك ، وخذ بما تعرفه ، ودع ما تنكر ، وعليك بخاصة نفسك ، ودع عنك أمر العامة ) خرجه أبو داود من حديث ابن عمرو رضي الله عنه. فهذا هو الواجب الشرعي ، فإن الأيام لله تعالى ، يداولها بين الناس ، والله تعالى عندما ذكر شأن الملك ، ذكر أنه يؤتيه من يشاء ، وينزعه ممن يشاء ، ولما ذكر الجهاد الشرعي ، ذكر أن الله ينصره فيه من ينصره ، وأمر بالإعداد له ، قال"وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لاتعلمونهم الله يعلمهم"، وأمر بأخذ الحذر ، فقال:"خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا"، وأمر أن يكون هدفه القيام للدين وإقامته ، فإن علموا أنهم لايقدرون على هذا الهدف ، لم يشرع لهم قال تعالى"الذين إن مكّناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور". وهذه الأحوال الثلاثة هي أحوال الأنبياء منهم من جاهد ، ومنهم من هاجر وجاهد ، ومنهم من كان في غربة ومن آمن معه في زمانهم ، فأهلك ربهم عدوهم بعذاب من عنده أو متعهم متاع الحياة الدنيا ثم اضطرهم إلى عذاب إليم . فقد ابتلي بها الأنبياء والصالحون من قبلنا ، وكتب الله تعالى أن يداول الأيام بين الناس ، ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا والله أعلم .