، وكانت ولايته في رأس المائة ، واستشهد غازيا بأرض أفرنجة (1) في سنتين بعد المائة ثم عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي (2) ثم عِنبسة بن سُحَيم الكلبي (3) ، أرسل به عاملا يزيد من أبي سلمة (4)
(1) الإفرنج والإفرنجة: اسم لسكان أوروبا ما عدا الأروام والأتراك وهي معرب فرنك أي حر والواحد افرنجي والأنثى افرنجية ( محيط المحيط( 2 / ص 1766 ) وقال البعض أنها من الأصل الألماني وتعود لاسم شعب جرماني استولى على غالية ( فرنسا حاليًا ) فسميت فرنسة ( نخلة اليسوعي: غرائب اللغة العربية ، ص 284 ) .
(2) لم يكن الغافقي واليًا بعد على الأندلس بل كان جندًا من جنود السمح بن مالك لكنه لعب دورًا حيويًا في لم شمل الجنود بعد تعرضهم للهزيمة في معركة"طولوشة"وسوف يأتي ذكر توليه بعد ذلك .
(3) عِنبسة بن سُحَيم (103 - 107هـ /721 - 726م) : هو عنبسة بن سحيم الكلبي. ولاه بشر بن صفوان، أمير أفريقيا، على الأندلس سنة 102 هـ أزدادت الأندلس إستقرارًا في عهده وأوغل في غزو الفرنج وفتح قرقشونة، واجتاز فرنسا فعبر نهر الرون إلى الشرق، أصيب بجراحات في بعض الوقائع فكانت سببا في وفاته ( ابن القوطية ، ص 13 ، وأخبار مجموعة ، ص 24 ، وابن عذاري ، ج2 ، ص 27 ، والمقري ، ج1 ، ص 235 ) .
(4) يقصد يزيد ابن أبي مسلم: هو أبو العلاء يزيد بن مسلم دينار الثقفي. كان مولى الحجاج بن يوسف الثقفي وكاتبه، وكان فيه كفاية ونهضة، قدمه الحجاج بسببهما الحجاج لما حضرته الوفاة استخلفه على الخراج بالعراق - فلما مات الحجاج أقره الوليد بن عبد الملك على حاله ولم يغير عليه شيئًا. وقيل إن الوليد هو الذي ولاه بعد موت الحجاج، وقال الوليد يومًا: مثلي ومثل الحجاج وابن أبي مسلم كرجل ضاع منه درهم فوجد دينارًا. ولما مات الوليد وتولى أخوه سليمان عزل يزيد بن أبي مسلم وبعث مكانه يزيد بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي وأحضر إليه يزيد بن أبي مسلم في جامعة، وكان رجلًا قصيرًا دميمًا قبيح الوجه عظيم البطن تحتقره العين، فلما نظر إليه سليمان قال: أنت يزيد بن أبي مسلم؟ قال: نعم أصلح الله أمير المؤمنين قال: لهن الله من أشركك في أمانته وحكمك في دينه، قال: لا تفعل يا أمير المؤمنين، فإنك رأيتني والأمور مدبرة عني، ولو رأيتني والأمور مقبلة علي لاستعظمت ما استصغرت ولاستجللت ما احتقرت، فقال سليمان: قاتله الله، فما أسد عقله وأعضب لسانه! ثم قال سليمان: يا يزيد، أترى صاحبك الحجاج يهوي بعد في نار جهنم أم قد استقر في قعرها؟ فقال يزيد: لا تقل ذلك يا أمير المؤمنين، فإن الحجاج عادى عدوكم ووالى وليكم، وبذل مهجته لكم، فهو يوم القيامة عن يمين عبد الملك وعن يسار الوليد، فاجعله حيث أحببت. وفي رواية أخرى: إنه يحشر غدًا بين أبيك وأخيك، فضعهما حيث شئت، قال سليمان: قاتله الله، فما أوفاه لصاحبه! إذا اصطنعت الرجال فلتصطنع مثل هذا، فقال رجل من جلساء سليمان: يا أمير المؤمنين، اقتل يزيد ولا تستبقه، فقال يزيد: من هذا؟ فقالوا: فلان بن فلان، قال يزيد: والله لقد بلغني أن أمه ما كان شعرها يوازي أذنيها، فما تمالك سليمان أن ضحك وأمر بتخليته. ثم كشف عنه سليمان فلم يجد عليه خيانة دينارًا ولا درهمًا، فهم باستكتابه، فقال له عمر بن عبد العزيز: أنشدك الله يا أمير المؤمنين أن تحيي ذكر الحجاج باستكتابك كاتبه، فقال: يا أبا حفص، إني كشفت عنه فلم أجد عليه خيانة، فقال عمر: أنا أوجدك من هو أعف عن الدينار والدرهم منه، فقال سليمان: من هذا؟ فقال: إبليس، ما مس دينارًا ولا درهمًا بيده وقد أهلك هذا الخلق. فتركه سليمان.
وحدث جورية بن أسماء أن عمر بن عبد العزيز بلغه أن يزيد بن أبي مسلم في جيش من جيوش المسلمين، فكتب إلى عامل الجيش أن يرده وقال: إني لأكره أن أستنصر بجيش هو فيهم.
ونقل الحافظ أبو القاسم المعروف بابن عساكر في"تاريخ دمشق"في ترجمة يزيد المذكور عن يعقوب أنه قال: في سنة إحدى ومائة أمر يزيد بن أبي مسلم على إفريقية، ونزع إسماعيل بن عبيد بن أبي المهاجر مولى بني مخزوم، فسار أحسن سيرة، وفي سنة اثنتين ومائة قتل يزيد.
وقال الطبري في تاريخه الكبير: وكان سبب ذلك أنه كان فيما ذكر عزم أن يسير فيهم بسيرة الحجاج بن يوسف في أهل الإسلام الذين سكنوا الأمصار ممن كان أصله من السواد من أهل الذمة فأسلم بالعراق، ممن ردهم إلى قرارهم ورساتيقهم، ووضع على رقابهم على نحو ما كانت تؤخذ منهم وهم على كفرهم، فلما عزم على ذلك توامروا، فأجمع رأيهم على قتله فقتلوه، وولوا على أنفسهم الوالي الذي كان قبل يزيد بن أبي مسلم، وكتبوا إلى يزيد بن عبد الملك: إنا لم نخلع أيدينا عن الطاعة، ولكن يزيد بن أبي مسلم سامنا ما لا يرضى به الله والمسلمون فقتلناه وأعدنا عاملك، فكتب إليهم يزيد بن عبد الملك: إنني لم أرض ما صنع يزيد بن أبي مسلم. وأقر محمد بن يزيد على إفريقية، وكان ذلك في سنة اثنتين ومائة.
قال الوضاح بن خيثمة: أمرني عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى بإخراج قوم من السجن، وفيهم يزيد بن أبي مسلم، فأخرجتهم وتركته فحقد علي، وإني بإفريقية إذ قيل قدم يزيد واليًا، فهربت منه، وعلم بمكاني وأمر بطلبي، فظفر بي وحملت إليه، فلما رآني قال: طالما سألت الله تعالى أن يمكنني منك، فقلت: وأنا والله لطالما سألت الله أن يعيذني منك، فقال: ما أعاذك الله، والله لأقتلنك والله لأقتلنك ولو سابقني فيك ملك الموت لسبقته. ثم دعا بالسيف والنطع فأتي بهما، وأمر بالوضاح فأقيم على النطع وكتف، وقام وراءه رجل بالسيف؛ وأقيمت الصلاة فخرج يزيد إليها، فلما سجد أخذته السيوف. ودخل إلى الوضاح من قطع كتافه وأطلقه، وأعيد إلى الولاية محمد بن يزيد مولى الأنصار، والله أعلم.
قلت: كان الوضاح حاجب عمر بن عبد العزيز، فلما مرض أمر الوضاح بإخراج المحابيس، فأخرجهم سوى يزيد المذكور، فلما مات عمر هرب الوضاح إلى إفريقية خوفًا من يزيد، وجرى ما جرى، وكان مرض عمر بخناصرة.
هكذا قاله الطبري: محمد بن يزيد، وابن عساكر قال: إسماعيل بن عبيد الله، والله أعلم بالصواب؛ وقوله"وأحضر إليه يزيد بن أبي مسلم في جامعة"فالجامعة: الغل، لأنها تجمع اليدين إلى العنق، وقوله"وكان رجلًا قصيرًا دميمًا"الدميم: بالدال المهملة، القبيح المنظر، ومنه قول عمر رضي الله عنه"لا تزوجوا بناتكم من الرجل الدميم فإنه يعجبهن منهم ما يعجبهم منهن"وأما الذميم بالذال المعجمة فإنه المذموم، وكذا قول ابن الرومي الشاعر المشهور