فتأخذه أيدي الضياع. وأملنا الوطيد بان يتلافى غيرنا ما يجدوه في هذا المجموع من خلل بإبراز ما عندهم من الذخائر المصونة والكنوز المدفونة. ونشكر الذين لبوا دعوتنا وأتونا ببعض الفوائد لإصلاح ما وقع من الخلل في طبعتنا الأولى وتحسين هذه الطبعة الجديدة. وقد ختمنا هذا الجزء بفهارس المواد وإعلام الأدباء الشرقيين والمستشرقين الذين مرَّ ذكرهم في مطاوي الكتاب لتتم بها الفائدة
وتزيد العائدة. إنشاءَ الله.
الجزء الأول
من السنة 1800 إلى 1870
الآداب العربية في القرن التاسع عشر
توطئة
إن الآداب كصرح منيف لا تزال أيدي الأفاضل تفرغ المجهود في بنائه فكل منهم يأتيه بحجرهِ ليزيده علوًا وكمالًا. على أنه يطرأ على هذا الصرح طوارئ شتي فطورًا يبسق ويتعالى وطورًا يتخلف بناؤه فيصيب بناته الخمول ولعل صروف الدهر تتحامل عليه فتقوض أركانه وتسقط بفعل الزمان بغض حجارته.
وكل يعلم ما كان للآداب العربية في القرون السابقة من الرونق والبهاء فترقَت إلى أوج غرها وماست بمافخرها مدة أجيال متوالية إلى أن خمدت همه بناة صرحها حينًا على وفق سنن الطبيعة التي لا تبقى على حالٍ واحدة كما قال الشاعر:
لكل شيء إذا ما تم نقصان
وهذه الدنيا لا تُبقي على أحدٍ ... ولا يدوم على حالِ لها شانُ
لكن هذا الخمول والحمد لله لم يدوم زمنًا طويلًا بل كان سباخًا بين بقعتين طَيبتين أو شتاء بين ربيعَين كما سترى فازدهرت شجرة الآداب بعد جفافها وراجت أسواق العلوم بعد كسادها حتى بلغت ما نراه اليوم من أمرها بعناية أرباب الشأن وهمَّه الأدباء.
الفصل الأول
الآداب العربية في الشرق في بدء القرن التاسع عشر
لما تنفَّس القرن التاسع عشر كانت أحوال أوربَّة في هَرج ومَرج والحروب قائمة على ساق بين دولها فلم تحطَ عن أوزارها إلا بعد نفي بونابرت إلى سنت هيلانة. وكان الشرق راصدًا لحركات الدول يتحفَّظ ويتصوَّن من كل سوء يتمهَّده فيستعدُ للحرب ذبًا عن حقوقهِ. فكانت هذه الحالة لا تسمح بصرف الفكر إلى العلوم والآداب وقد قيل في مثلِ (أنَّ الحرب والعلم على طرفي نقيض فأن رجيح واحد خفّ الآخر) وممّا نقض حبلَ الآداب في ذلك العهد قلّة المدارس يتخرَج فيها الأحداث فغاية ما كان يُرى منها بعضُ الكتاتيب الابتدائية لا سيما قريبًا من أديرة الرهبان وكان في الحواضر كدمشق وحلب والإسكندرية والقاهرة مدارس أعلى رتبة لكنَّها في الغالب كانت محصورة في العلوم الدينيَّة وما يُحتاج إلى إتقانها من المعارف اللسانية كمبادئ الصرف والنحو.