ومما كتب في هذا العهد من الأسفار رحلة لأحد الحلبيين (فتح الله ولد أنطون ابن الصائغ اللاتيني) التي زعم أنه رحل في خدمة أحد الأجانب أسمه تيودور لسكاريس في أواخر سنة 1810 من حلب إلى أنحاء الشام فجهات العرب وقد وصف ما جرى لهما من الأخبار وضمن رحلته أشياء كثيرة عن أحوال المدن التي زاراها وعن قبائل العرب وبلاد الوهابيين. وقد كتب ذلك بعبارة رائقة إلا أنها قليلة التهذيب لا تكاد تخالف لغة العامة والكتاب يصام في خزانة باريس 2298). وقد وقف الشاعر الفرنسوي لامرتين على هذه الرحلة فاستعان ببعض المستشرقين ونشرها مترجمة إلى الافرنسية في كتابه الشهير (سفر إلى الشرق) ... في القسم الرابع من طبعة باريس 1835 (ص55 - 285) . أما المؤلف فعاش بعد ذلك زمنًا طويلًا وسيعود اسمه في مطاوي مقالتنا ثانية. ثم وجدنا في المجلة الآسيوية 18722) فصلًا في انتقاد هذه الرحلة فيثبت كاتبه أنها مصنوعة.
ونختم هذا النظر في مؤرخي الثلث الأول من القرن التاسع عشر بذكر أحد مسلمي طرابلس العرب وهو الشيخ محمد بن عبد الكريم ولد في طرابلس الغرب وتلقى العلوم من أعلام عصره وفحول مصره وكان واسع العلم كثير الحفظ تولى النيابة في وطنه لعد والده وحسنت سيرته ألف كتابًا سماه (الإرشاد بمعرفة الأجداد) ضمنه ذكر أسلافه الكرام وكان أصل أجداده من الأندلس ثم انتقلوا إلى طرابلس وعرفوا بآل النائب وكان أبوه فقيرًا شاعرًا توفي سنة 1189ه (1775م) أما ابنه محمد فكانت وفاته سنة 1232ه (1817م) .
الشعر والأدب
إن الشعر والأدب كما التاريخ كانت سوقهما كاسدة في أوائل القرن التاسع عشر لم يشتهر فيهما إلا بعض الأفراد في مقدمتهم بين المسلمين الأديب السيد أحمد ابن عبد اللطيف بن أحمد البربير الحسني البيروتي ولد سنة 1160 (1811) له تآليف أدبية ومنظومات أخصها مقاماته التي منها نسخة خطية في المكتبة الخديوية (أنظر قائمتها 328:4) يبتدئ أولها بقوله: (حكى بليغ هذا الزمان والعصر حديث ألذ من سلافة العصر) . وقد طبع من هذه المقامات مقامة (المفاخرة بين الماء والهواء) في دمشق سنة 1300 (1883) . وله بديعية عبق عليها شروحًا مصطفى بن عبد الوهاب بن سعيد الصلاحي تصان بين مخطوطات برلين (ع 7388) وله (كتاب الشرح الجلي على بيتي الموصلي) وهو تأليف واسع طبع في بيروت سنة 1302 (1885) أودعه صاحبه فنونًا من الآداب وفصولًا في كل علم من العلوم. والموصلي المذكور هو عبد الرحمان بن إبراهيم الصوفي الموصلي من أدباء القرن الثامن عشر. أما البيتان اللذان شرح البربير رمزهما فهذان:
إن مرَّ والمرآةُ يومًا في يدي ... .... ... من خلفهِ ذو اللطف أَسما مَنْ سما
دارت تماثيلُ الزجاجِ ولم تزلْ ... تقفوهُ هدوًا حيثُ سار ويمَّما
أما منظومات السيد أحمد البربير فكثيرة لكنها متفرقة. وكنا قد نشرنا منها شيئًا في المشرق (3(1900) : 14 - 18) مما دار بينه وبين مخائيل البحري من المراسلات الأدبية.
ثم أتحفنا جناب الأديب عيسى أفندي أسكندر معلوف بنخبة أخرى من أقواله الشعرية تجدها في المجلة المذكورة (4(1901) : 396) ولعل السيد أحمد البربير نظم ديوانًا كاملًا لكننا لم نقف له على أثر ومما قرأنا من لطائفه قوله في طبيب:
رأيتُ طَبًّا لهُ نفارٌ ... يتيهُ في مشيهِ دلالا