والنبط والتبابعة وبنو إسرائيل والقبط وكانوا على أحوال خاصة بهم في دولهم وممالكهم وسياستهم وصنائعهم ولغاتهم واصطلاحاتهم وسائر مشاركاتهم مع ابناء جنسهم وأحوال اعتمارهم للعالم تشهد بها آثارهم ثم جاء من بعدهم الفرس الثانية والروم والعرب فتبدلت تلك الاحوال وانقلبت بها العوائد إلى ما يجانسها أو يشابهها وإلى ما يباينها أو يباعدها ثم جاء الاسلام بدولة مضر فانقلبت تلك الاحوال أجمع انقلابة أخرى وصارت إلى ما أكثره متعارف لهذا العهد يأخذه الخلف عن السلف ثم درست دولة العرب وأيامهم وذهبت الاسلاف الذين شيدوا عزهم ومهدوا ملكهم وصار الامر في أيدي سواهم من العجم مثل الترك بالمشرق والبربر بالمغرب والفرنجة بالشمال فذهبت بذهابهم أمم وانقلبت أحوال وعوائد نسي شأنها
وأغفل أمرها والسبب الشائع في تبدل الاحوال والعوائد أن عوائد كل جيل تابعة لعوائد سلطانه كما يقال في الامثال الحكمية الناس على دين الملك وأهل الملك والسلطان إذا استولوا على الدولة والامر فلا بد من أن يفزعوا إلى عوائد من قبلهم ويأخذون الكثير منها ولا يغفلون عوائد جيلهم مع ذلك فيقع في عوائد الدولة بعض المخالفة لعوائد الجيل الاول فإذا جاءت دولة أخرى من بعدهم ومزجت من عوائدهم وعوائدها خالفت أيضا بعض الشئ وكانت للاولى أشد مخالفة ثم لا يزال التدريج في المخالفة حتى ينتهي إلى المباينة بالجملة فما دامت الامم والاجيال تتعاقب في الملك والسلطان لا تزال المخالفة في العوائد والاحوال واقعة والقياس والمحاكاة للانسان طبيعة معروفة ومن الغلط غير مأمونة تخرجه مع الذهول والغفلة عن قصده وتعوج به عن مرامه فربما يسمع السامع كثيرا من أخبار الماضين ولا يتفطن لما وقع من تغير الاحوال وانقلابها فيجريها لاول وهلة على ما عرف ويقيسها بما شهد وقد يكون الفرق بينهما كثيرا فيقع في مهواة من الغلط فمن هذا الباب ما ينقله المؤرخون من أحوال الحجاج وأن أباه كان من المعلمين مع أن التعليم لهذا العهد من جملة الصنائع المعاشية البعيدة من اعتزاز أهل العصبية والمعلم مستضعف مسكين منقطع الجذم (1) فيتشوف الكثير من المستضعفين أهل الحرف والصنائع
(1) الجذم الاصل اه قاموس (*)