وهذه قضية أساسية في تاريخ العلوم, وخاصة من حيث علاقة العلوم الحديثة بمراحل الفكر العلمي السابقة, وعلاقة التأثر والتأثير بين مرحلة الابتكار العلمي في الحضارة الإسلامية ومرحلة الإنشاء العلمية في تاريخ الحضارة الغربية الحديث, وأثر تلك العلاقة ذاتها في مرحلة الابتكار العلمي الأوروبي التي يفيد العالم كله اليوم من ثمارها. فإن ذلك الأثر لم يدرس بعد الدراسة المعمقة, ولا شك أن تعميق النظر في دراسته مازال محوجا إلى توفر مواد وآليات بحثيه ما تزال اليوم مفقودة أو ضعيفة, مثل التأكد من أثر عالم إسلامي ما في عالم أوروبي ما, وتبين مسالك التأثير تبينا صادقا.
وقد حاولنا في هذا البحث أن نقف على بعض من مظاهر الريادة العلمية في الحضارة الإسلامية, وسعينا إلى الاقتصار على ذكر ما كان أثره واضحا في مرحلة الإنشاء العلمية الأوروبية. فإن من المؤكد اليوم أن كتب أبي بكر الرازي وابن الجزار القيرواني وأبي القاسم الزهراوي وابن سينا في الطب والصيدلة كان لها أثر عميق, وأن أعمال المسلمين في الأرصاد الفلكية وكتاباتهم في الأزياج كان لها دور في توجيه البحث في علم الفلك, وأن التفكير الرياضي العربي في علوم الجبر والحساب والمثلثات قد أسست الفكر الرياضي الحديث; وتلك كلها دلائل على أن الحضارة الإسلامية كانت لها الريادة وكان لها التأثير أيضا, ولكن مظاهر تلك الريادة مازالت في حاجة إلى الدراسة الموضوعية التفصيلية المعمقة, وأوجه التأثير مازالت في حاجة إلى التتبع المتمحص الدقيق.
الهوامش
1)قد ألفت فيها كتب كثيرة قد ذكر منها فؤاد سزكين تسعة عشر في الجزء الثاني من كتابه قد جمعت كلها في فهرس الكتب فيه ـ ينظر: GAS, Vol. VIII, pp. 344.345 Sezgin:.