كان الانتماء الأبوي الصريح باعثًا على تكافل أبناء العيشرة ورعاية بعضهم بعضا، فعامر بن الطفيل يفخر بأنه يخلف ابن عمّه -والإيعاد شرّ، ويصدق وعده- والوعد خير- في قوله [1] :
لا يرهبُ ابنُ العَمِّ صَوْلهً ... ولا أَخْتَتي من صولةِ المتهدِّدِ
وإنّي إنْ أوعدْتُهُ أو وَعَدْتُه ... لأَخُلفُ إيعادي وَأنْجِزُ مَوْعِدِي
وفي ظل الانتماء الأبوي الصريح حظي المحتاجون من الصرحاء برعاية أقاربهم الأغنياء؛ فقد كان الفقراء يتطلعون إلى أبناء عمهم، يرجون عطاءهم وكفالتهم؛ فالأعلم الهذلي تذكّر، وهو في الغزو، أولاده الشعث الذين لا مال لهم، وهم يتطلعون إلى من يأتيهم من أقاربهم بشيء يأكلونه، يقول الأعلم [2] :
وَذَكَرْتُ أهلي بالعَرَاءِ وحَاجَةَ الشُّعْثِ التّوالِبْ
المُصْرِمينَ مِنَ التِّلادِ اللاّمِحِينَ إلى الأَقَارِبْ
وكان أبناء العم يكفلون أقاربهم الصغار إذا فقد معيلهم؛ فقد فخر أبو ذؤيب الهذلي بأنّ قومه قتلوا رجلًا غزاهم، وردّوا أمر بنيه إلى كفالة بني عمهم، وذلك في قول أبي ذؤيب [3] :
وَسَائِلَةٍ ما كانَ حِذْوَةُ بَعْلِها ... غَدَاتِئذٍ مِنْ شَاء قِرْدٍ وكاهِلِ
ردَدْنا إلى مَوْلَى بَنِيْها فَأَصْبَحَتْ ... يُعَدُّ بِها وَسْطَ النّسَاءِ الأَرَامِلِ
ويرى الصرحاء أن لبعض المنتمين إلى نسب أبويّ واحد حقوقًا في أموال بعضهم الآخر، فهذا طرفة بن العبد يندفع إلى إبل لشيخ من قومه، فيعقرها، غير ملاق مقاومة من صاحبها، وغاية ما فعله الشيخ أن دعا قومه إلى إبعاد الإبل عن طرفة، وقد حكى طرفة ذلك فقال [4] :
(1) -ديوان عامر ص58. وأختتي: أصلها أختتئ، يتغير لوني من الخوف. ونُسب الشعر إلى طرفة (ديوان طرفة ص151) .
(2) -شرح أشعار الهذليين 1/315. والتوالب: الجحاش. والمصرمين، جمع المَصْرم، وهو المقل الذي لا مال له.
(3) -المصدر السابق 1/160. وحذوة بعلها: نصيبه.
(4) -ديوان طرفة ص45.