ظَلتْ سُيُوفُ بني أبيه تَنُوشُه ... للهِ أرحامٌ هُناكَ تَشَقّقُ
وحدّث قيس بن الخطيم عن وقعة مماثلة، فقال [1] :
نَفْلي بِحَدِّ الصَّفيحِ هامَهُمُ ... وَفَلْيُنا هامَهُمْ بنا عُنُفُ
إنّا وَلَوْ قَدَّمُوا التي عَلِمُوا ... أكبادُنا مِنْ وَرَائِهِمْ تَجِفُ
قال لنا الناسُ: مَعْشَرٌ ظَفِروا ... قلنا: فَأنّى بقومِنا خَلَفُ
فقتل أبناء العم عنف، وفعلهم المنكر لا يمنع الإشفاق عليهم، وقتلهم لا يعدّ نصرًا إذ لا أحد يخلفهم.
لقد أدرك العقلاء من الصرحاء أن تقاتل أبناء العمّ يضعف جماعتهم الأبوية، فكانوا يتردّدون في الإقدام على قتل أبناء عمومتهم، ومن الشعر الدال على ذلك قول الحارث بن وَعْلَةَ الذهليّ [2] :
قَوْمِي هُمُ قَتَلُوا، أمَيْمَ، أخِي ... فإذا رَمَيْتَ يُصِيبُني سَهْمِي
فَلَئِنْ عَفَوْتُ لأعْفُوَنْ جَلَلًا ... وَلَئِنْ سَطَوْتُ لأُوهِنَنْ عَظْمِي
فإذا وقع القتال أدرك القاتل بعد فوات الأوان أنّه قد أضعف جماعته. يقول قيس بن زهير [3] :
قتلتُ بإخوتي ساداتِ قوْمي ... وهُمْ كانوا الأمانَ على الزَّمانِ
فإنْ أكُ قد شَفَيْتُ بذاك قلبي ... فلم أقطعْ بهمْ إلاّ بَناني
وبسبب الأضرار الجسيمة التي ألحقتها الصراعات بين أبناء النسب الأبوي الواحد، توجه العقلاء جهة الإصلاح بين المتحاربين، وحقن الدماء، ولقي ذلك التوجه قبولًا حسنًا، وآية ذلك افتخارُ المصلحين بتوجهاتهم السليمة، وقصدُ الشعراء لهم بالمديح، وممن افتخر بمساعيه السلمية معاوية بن مالك العامري، وقد أصلح بين بطون بني كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، في قوله:(
رَأبْتُ الصّدْعَ مِنْ كَعْبٍ فَأَوْدى ... وكانَ الصّدْعُ لا يَعِدُ ارتِئابا
فأمْسَى كَعْبُها كَعْبًا وكانتْ ... مِنَ الشّنآنِ قد دُعِيَتْ كِعابا
(1) -ديوان قيس ص115-118.
(2) -شرح ديوان الحماسة 1/204.
(3) -معجم الشعراء ص198. وانظر شرح ديوان الحماسة 1/203.