فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 612

وكانت تجمعات النسب الأبويّ الكبير، على الرغم من تصارعها، إرهاصًا يؤذن بوجود الأمة التي تضم بين جناحيها تجمعات قبلية عديدة [1] .

3-الصراعات الداخلية:

إن حاجة أبناء الجماعة الأبوية إلى التناصر حَبّب إليهم تجَنّب الصراعات الداخلية، وقد عبر عن تلك الحاجة، وعن الرغبة في تجنب تلك الصراعات أوس بن حجر في قوله [2] :

يا راكبًا إمّا عَرَضْتَ فَبَلّغَنْ ... يزيدَ بنَ عَبْدِ اللهِ ما أنا قائِلُ

فقومُكَ لا تَجْهَلْ عليهمْ ولا تكنْ ... لَهُمْ هَرِشًا تغتابُهُمْ وتُقاتِلُ

وما يَنهضُ البازي بغَيْرِ جَناحِهِ ... ولا يَحْمِلُ الماشِينَ إلاّ الحوامِلُ

ولا سابقٌ إلا بساقٍ سَليمةٍ ... ولا باطشٌ ما لم تُعِنهُ الأنامِلُ

ولذلك تخوّفّ أبناء النسب الأبوي من تفرّق جماعتهم، وضعف قواهم بالصراعات الداخلية، ومن ذلك التخوف قول قيس بن الخطيم [3] :

فَقُلْتُ لها: قَوْمي أخافُ عَلَيْهِمُ ... تَبَاغِيَهُمْ، لأيُبْهِكُمْ ما أحاذِرُ

فلا أَعْرِفَنْكُمْ بَعْدَ عِزُّ وثَرْوةٍ ... يُقالُ: ألا تِلْكَ النّبيتُ عَسَاكِرُ

فلا تَجْعَلُوا حَرْباتِكُمْ في نُحورِكُمْ ... كما شَدَّ ألواحَ الرّتاجِ المَسَامِر

وقول الأعشى مخاطبًا أبناء عمومته [4] :

فلا تَكْسِرُوا أَرْمَاحَكُمْ في صُدورِكُمْ ... فَتغْشِمَكُمْ إنّ الرّماحَ مِنَ الغَشْمِ

ودعا عامر بن جوين الطائي قومه بني جديلة إلى مصالحة أبناء عمهم، والإقامة معهم، ورأى أنهم يفتقرون إلى العقل إذ يحاربون أبناء عمومتهم، ولهم يقول [5] :

لَقَدْ أَعجبْتُمُوني مِنْ جُسُومٍ ... وأَسْلِحَةٍ ولكِنْ لا فُؤَادا

(1) -سنرى ذلك مفصلًا في الفصل الأخير من هذه الدراسة.

(2) -ديوان أوس ص99.

(3) -ديوان قيس ص208-209. وبيهكم: يفسد أمركم. والرتاج: الباب. والمسامر: المسامير، أراد: وكونوا كما شدّ ألواح الرتاج المسامير، فحذف وقدّر.

(4) -شرح ديوان الأعشىص344.

(5) -الوحشيات ص233.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت