إن الجماعات الأبوية تستاء من تخاذل أبناء عمّها مثلما يستاء الفرد الصريح من تخاذل أبناء عمه، ومن إلحاقهم الضرر به، ففي يوم التحاليق (يوم لبكر على تغلب) صبرت بكر كلها، وتقاعس بنو يشكر وبنو لجيم وبنو ذهل البكريون فهجاهم بذلك سعد بن مالك البكري [1] ، فالصرحاء لا يرون أي خير في قبيلة تُسلم أبناء عمّها، وفي ذلك يقول الأفوه الأودي [2] :
ما خَيرُ حِمْيَرَ أنْ تُسَلّمَ مَذْحِجًا ... أو خيرُ مَذْحجَ أنْ تُسَلّمَ حِمْيرا
إنّ رابطة النسب الأبوي إذ توجب التناصر كانت تسهم في وجود تجمعات قبلية أبوية كبيرة تقف في وجه الأخطار المحدقة بها، وهي تجمعات تشمل جماعات قبلية أصغر منها، ولا تلغيها، ومن الشعراء الذين حملوا لواء الدعوة إلى مثل تلك التجمعات عمرو بن معد يكرب الزبيدي في قوله داعيًا إلى تجمع بطون مدجج لمواجهة بني مَعَدّ [3] :
وأَوْدٌ ناصري وبنو زُبَيْدٍ ... ومَنْ بالخَيْفِ مِنْ حَكَمِ بنِ سَعْدِ
لَعَمْرُكَ لو تَجَرّدُ مِنْ مُرادٍ ... عرانينٌ عَلى دُهْمٍ وجُرْدِ
وَمِنْ عَنْسٍ مُغَامِرَةٌ طَحُونٌ ... مُدَرّبَةٌ ومِنْ عُلَةَ بنِ جَلْدِ
ومِنْ سَعْدٍ كتائِبُ مُعْلِماتٌ ... على ما كانَ من قربٍ وبُعْدِ
ومِنْ جَنْبٍ مُجَنّبَةٌ ضَروبٌ ... لهامِ القومِ بالأبطالِ تُردي
وتُجمع مَذْحِجٌ فيرَئّسُوني ... لأَبْرَأتُ المناهِلَ من مَعَدِّ
(1) -انظر الأبيات عند الأصفهاني، 1992م، الأغاني، تحقيق الأستاذ عبد أ. علي مهنا، وسمير جاير الطبعة الثانية، دار الكتب العلمية، بيررت، 5/57. وانظر خبر فرار الحارث بن هشام عن أخيه فيه 4/173-174.
(2) -ديوان الأفوه ص15.
(3) -شعر عمرو بن معد يكرب ص78-79. والأسماء المذكورة في الأبيات بطون من مذحج. والخيف: ارتفاع وهبوط في رأس الجبل. والعرانين: السادة. ودُهم: جمع أدهم، وهو الفرس الأسود. ومغامرة: مخالطة، تدخل القتال. ومجنبة: هي التي تقود جنائب الخيل. وأبرأت المناهل: أخليتها وتركتها بريئة.