كاسونا إذن، يرد بطله إلى المجتمع. ففي المجتمع تكتمل حقيقة وجوده؛ وتنتظم دائرة مقوّمات مسرح كاسونا القائمة على الترابط بين الأبطال الثلاثة: الله والموت والحب. لأن الإنسان -كما يقول الناقد ف.ك. روبليس-"ما دام يحيا بالحب ومن أجل الحب ينسى الموت مراكمًا أسباب الخلود واستحقاقاته. وبالحب وبالموت يقترب من الله... وكاسونا كإسباني فذّ يعلم أن الدوافع الملحّة على تفكير الإسبان الكبار في كل عصر كانت وسواس الخضوع للحب وللموت وفاء بالعهد مع الله"
هناك وجه آخر تمتاز به هذه المسرحية، هو هذا الفيض من الرحمة والشفقة، ولم يكن اختيار كاسونا لتعليم البطل امرأة عبثًا. فقد أخفق المعلمون السابقون الذكور في تعليمه. لكن هذه المعلمة الساحرة آثرت البقاء شفقة عليه وعلى لهفة العمتين وقلقهما المشروع. واستطاعت النهوض بهذه المهمة بكفاءة. شفقتها هي نقيض قسوة الأم. وشفقته هو عليها حين أصيبت بالإغماء نقيض فظاظة الأب وخشونته.
كاسونا كاتب متفائل دائمًا؛ والخير عنده، كما هو الحال عند كتّاب الدراما الإغريق، ينتصر دائمًا، لكنه، في المقابل، ليس خيرًا مطلقًا، ولا خالصًا من الشوائب، وإنما يعلق به كثير من نواحي الضعف البشري، ويكون الخيار بينه وبين شر مستطير."وبعض الشر أهون من بعض؟"
تبقى كلمة أخيرة، كاسونا في هذه المسرحية وفي غيرها لا ينسى لحظة واحدة أنه يكتب"للمسرح"وقد قيل عن مسرحه:"لا شيء فيه يفيض عن الحاجة ولا شيء ينقص عنها؟ فكل شيء، مهما بدا بسيطًا، يوظف بدقة. وخيط الحوار الجميل الرشيق لا ينقطع أبدًا. والفكاهة الجميلة والطرفة الحلوة تنتثر هنا وهناك. تبدأ المسرحية بكلمة وتنتهي بكلمة، وهي الكلمة الثالثة: الحب."
الفصل الأول