ناصر…: (كأنما يعود من غيبة طويلة، يتوجه ببصره حينًا إلى المنصة وحينًا إلى الجمهور. ثم يتابع) ثم جاؤونا بشيء اسمه الهدنة. توقفت الحرب. ظن الجميع أننا عائدون. حتى أن أمي أخذت تتفقد مفاتيح الدار التي أقفلتها بها عند رحيلنا. ولكن هذه الأحلام ضاعت فجأة باستئناف الحرب واستيلائهم على أكثر مما خصص لهم في مشروع التقسيم الظالم.. ثم اخترعوا لنا شيئًا أسموه (وكالة إغاثة اللاجئين) ... هذا أصبح اسمنا.. فذقنا من الذل الكثير.. توزيع المؤن.. سطل الحليب.. السكن في خيام أو أكواخ تصلح لسكنى الحيوان.. وتوالت المآسي. من حروب واعتداءات لا تنقطع ليس علينا وحدنا، حتى في مخيمات لجوئنا، بل أيضًا على الدول العربية المجاورة.. ومجازر واحدة تلو الأخرى.. غير دير ياسين وكفر قاسم.. قبية نحالين وخان يونس وغزة.. الموت الجماعي، والعقوبات جماعية.. ثم احتلالهم في حزيران عام 1967 لماتبقى من أرض فلسطين.. وفوقها أجزاء من أراضي الدول العربية المجاورة يحدث كل هذا، ياسادة والعالم يقف مكتوف الأيدي متفرجًا.. بعضه يقف عاجزًا عن فعل شيء..وبعضه مباركًا..
القاضي…: (يطرق على المنضدة) أقول الحق، لقد نفد صبرنا تمامًا أيها السيد. لقد أنصتنا إليك طويلًا يا.. ياناصر.. ولكننا غيرمضطرين لسماع المزيد.. كما أننا لا نستطيع السماح لك بإدخالنا في متاهات لا أول لها ولا آخر.. ثم إن هذا كله مما أتحفتنا بسماعه لا يعنينا في شيء. هو موضوع آخر...
ناصر…: (في حزن وألم) قضيتنا دائمًا موضوع آخر لا جدوى من الخوض فيه. كيف نلام إذن حين نعمل على إثبات وجودنا بطرق أخرى.. حين نناضل من أجل الحصول على حقوقنا التي أهدرت واستعادة أرضنا التي اغتصبت على مرأى ومسمع من الدنيا بأسرها؟
النائب العام…: (محتدًا) مرة أخرى يذهب بنا هذا الجاني بعيدًا عن صلب القضية المطروحة أمام هذه المحكمة بل هو يتحدث في أمور ليست من اختصاصها..
القاضي…: (يهز رأسه موافقًا) نعم.. نعم..هذه أمور ليست من اختصاص هذه المحكمة.