فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 209

وقد رأينا أن هذه الثورة انطلقت في أساسها من الاحتجاج على تبعيّة الآداب الأوربية للمصادر القديمة اليونانية واللاتينية مرورًا بمعطيات عصور الكلاسيكية والنهضة والتنوير. فقد مضى زمن القدماء إلى غير رجعة وباد الأقدمون بعد أن أعطوا كل ما لديهم، ولا بدّ للعصر الجديد من الكفّ عن محاكاتهم والانصياع لقواعدهم وأذواقهم ومن البحث عن مصادر أخرى وأشكال جديدة أكثر مناسبة لروح هذا العصر وجيله المتمّرد. لقد أصبح المبدأ العام رفض التبعيّة والتقليد، والبحث عن الأصالة والإبداع، فالعبقرية لا تكون إلاّ في التجديد، والتجديد هو الشباب الدائم، وبالفعل تولّد هذا التجديد في رحم الكلاسيكية ونما تدريجيًا مجتازًا عواصف من المعارضة والاحتجاج، وثبت في ميدان الصراع إلى أن انتصر نهائيًا مع انتصار القيم الجديدة. وهذه سنة الحياة.

ويمكن إجمال السِّمات الأسلوبية للأدب الرومانسي فيما يلي:

(أولًا) : على النطاق العام:

... 1- حرص الأديب الرومانسيّ على حريته الخاصة الكاملة في الإبداع والتعبير، دون سلطانٍ لأي اعتبارٍ فوقيٍ مسبق. ومن هنا جاءت آثار الرومانسيين متنوعة الألوان ضمن إطار الوحدة، وموحّدةً في إطار التنوع الفرديّ، فلكلّ كاتبٍ لونه الخاص المميّز. وكان هوغو لا يفتأ ينادي بالحريّة للفنّ كما ينادي بالحرية للمجتمع. وقد أثارت هذه الحريات الفردية كثيرًا من حملات المعارضة بدعوى أنّ الإفراط فيها يؤدي إلى إضاعة المعايير وتهديم الأدب. ولكن الواقع كان خلافًا لذلك مزيدًا من الثراء والغنى والتفتح في الحركة الأدبيّة. وقد ظهرت في الرومانسية بادرة البيانات والمقدّمات التي يعمد فيها الأديب إلى عرض معالم منهجه وبسط آرائه وقناعاته الفنيّة، كما فعل لامارتين في مقدمة (التأملات) وهوغو في مقدمة مسرحية (كرومويل) ، فكانت هذه المقدمات روافد هامة في بلورة ملامح النظرية الرومانسية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت