فهرس الكتاب

الصفحة 792 من 2551

جعلكم أباه فريدًا منه ذليلًا بينكم، ثم في قولكم له لما وجد الصاع في رحله: لا يزال يأتينا البلاء من قبلكم يا بني راحيل، وإنما قال لهم ذلك نصحًا لهم وتحريضًا على التوبة وشفقة عليهم لما رأى من عجزهم وتمسكنهم لا معاتبة وتثريبًا، وقيل: أعطوه كتاب يعقوب عليه السلام في تخليص بنيامين، وذكروا له ما هو فيه من الحزن على فقد يوسف وأخيه، فقال لهم ذلك وقوله {إذ أنتم جاهلون} ، أي: فاعلون فعلهم؛ أو لأنهم كانوا حينئذ صبيانًا طياشين تلويحًا إلى معرفته، فقد روي أنه لما قال هذا تبسم وكان في تبسمه أمر من الحسن لا يجهله منه من رآه ولو مرّة واحدة فعرفوه بذلك فلذلك.

{قالوا أئنك لأنت يوسف} استفهام تقرير، ولذلك حقق بأن واللام عليه، وقيل: عرفوه بنظره وخلقه حين كلمهم، وقيل: رفع التاج عن رأسه فرآوا علامة بقرنه تشبه الشامة البيضاء، وكان لسارة ويعقوب وإسحاق مثلها. وقرأ ابن كثير بهمزة مكسورة بعدها نون على الخبر، وقرأ قالون وأبو عمرو بهمزة مفتوحة بعدها همزة مكسورة مسهلة بينهما ألف على الاستفهام، وقرأ ورش بغير ألف بينهما، والتسهيل في الثانية على الاستفهام أيضًا، وقرأ الباقون بتحقيق الهمزتين مع القصر، ولهشام وجه ثان وهو المدّ، وقيل: أنهم لم يعرفوه حتى {قال} لهم {أنا يوسف} وزادهم بقوله {وهذا أخي} بنيامين شقيقي، وإنما ذكره لهم ليزيدهم ذلك معرفة له وتثبيتًا في أمره وليبني عليه قوله: {قد منّ الله علينا} قال ابن عباس: بكل خير في الدنيا والآخرة. وقال آخرون: بالجمع بيننا بعد التفرقة. {إنه من يتق} ، أي: المعاصي {ويصبر} ، أي: على البليات وأذى الناس وقال ابن عباس: يتقي الزنا ويصبر على العزوبة، وقال مجاهد: يتقي المعصية ويصبر على السجن {فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} والمعنى أنه من يتق ويصبر، فإنّ الله لا يضيع أجرهم، فوضع المحسنين موضع الضمير لاشتماله على المتقين، وقرأ قنبل بإثبات الياء بعد القاف وقفًا ووصلًا، واختلف المعربون في ذلك على وجهين: أجودهما: أنّ إثبات حرف العلة في الجزم لغة لبعض العرب وأنشدوا عليه قول قيس بن زهير:

*ألم يأتيك والأنباء تنمي

... بما لاقت لبون بني زياد

وقول الآخر:

*هجوت زبان ثم جئت معتذرًا

... من هجو زبان لم تهجو ولم تدع

وقول الآخر:

*إذا العجوز غضبت فطلقي

... ولا ترضاها ولا تلق

والثاني أنه مرفوع غير مجزوم ومن موصولة والفعل صلتها، فلذلك تمم بإثبات لامه وسكن (يصبر) لتوالي الحركات، وإن كانت في كلمتين، وقرأ الباقون بالحذف وقفًا ووصلًا، ولما ذكر يوسف عليه السلام لإخوته أنّ الله تعالى منّ عليه، وأنه من يتق ويصبر فإنّ الله تعالى لا يضيعهم صدقوه فيه واعترفوا له بالفضل والمرتبة ولذلك.

{قالوا} مقسمين بقولهم: {تالله} ، أي: الملك الأعظم {لقد آثرك} ، أي: اختارك {الله علينا} بالعلم والعقل والحلم والحسن والملك والتقوى وغير ذلك، واحتج بعضهم بهذه الآية على أنّ إخوته ما كانوا أنبياء؛ لأنّ جميع المناصب التي تكون مغايرة لمنصب النبوّة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت