فهرس الكتاب

الصفحة 660 من 2551

روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمدًا عبده ورسوله، وأنّ عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» {فآمنوا با ورسله} أي: عيسى وغيره ولا تؤمنوا ببعض وتكفروا ببعض {ولا تقولوا} كما قالت النصارى: الآلهة {ثلاثة} الله وعيسى وأمه، قال تعالى: {انتهوا} عن ذلك وائتوا {خيرًا لكم} من ذلك وهو التوحيد {إنما الله إله واحد} أي: لا تعدّد فيه بوجه مّا {سبحانه} تنزيهًا له {أن} أي: عن أن {يكون له ولد} أي: كما قلتم أيها النصارى، فإنّ ذلك يقتضي الحاجة ويقتضي التركيب والمجانسة، ثم علل ذلك بقوله: {له ما في السموات وما في الأرض} خلقًا وملكًا، فلا يتصوّر أن يحتاج إلى شيء منهما، ولا إلى شيء متحيّز فيهما، ولا يصح بوجه أن يكون بعض ما يملكه المالك جزأ منه وولدًا له؛ لأنّ المكية تنافي البنوة، وعيسى وأمه كل منهما محتاج إلى ما في الوجود {وكفى با وكيلًا} أي: يحتاج إليه كل شيء ولا يحتاج هو إلى شيء، فهو غني عن الولد، فإنّ الحاجة إليه ليكون وكيلًا لأبيه، والله سبحانه وتعالى قائم بحفظ الأشياء كافٍ في ذلك مستغن عمن يخلفه أو يعينه.

روي أنّ وفد نجران قالوا: يا رسول الله لم تعيب صاحبنا؟ قال: «ومن صاحبكم؟» قالوا: عيسى قال: «وأيّ شيء أقول؟» قالوا: تقول إنه عبد الله قال: «إنه ليس بعار أن يكون عبدًا لله» قالوا: بلى، فنزل قوله تعالى:

{لن يستنكف} » أي: يتكبر ويأنف {المسيح} أي: الذي زعمتم إنه إله {أن} أي: عن أن {يكون عبد الله} فإنّ عبوديته له شرف يتباهى به وإنما المذلة والاستنكاف في عبودية غيره وقوله تعالى: {ولا الملائكة المقرّبون} أي: عند الله عطف على المسيح أي: ولا تستنكف الملائكة المقربون أن يكونوا عبيدًا لله، وهذا من أحسن الاستطراد ذكر للرد على من زعم إنها آلهة أو بنات الله كما ردّ بما قبله على النصارى الزاعمين ذلك المقصود خطابهم، فلا حجة فيه على أن الملائكة أفضل من الأنبياء كما زعمه بعض المعتزلة قائلًا بأنّ المعطوف أعلى درجة من المعطوف عليه.

قال الطيبي: وإنما تنهض الحجة على النصارى إذا سلموا أن الملائكة أفضل من عيسى ودونه خرط القتاد، فكيف والنصارى رفعوا درجة عيسى إلى الإلهية، فظهر أن ذكر الملائكة للاستطراد كما ردّ على النصارى وأنه من باب التتميم لا من باب الترقي اه. أو من باب الترقي في الخلق لا في المخلوق كما قاله البقاعي، قال: لأن الملائكة أعجب خلقًا من عيسى في كونهم ليسوا من ذكر ولا أنثى، ولا ما يجانس عضو البشر فكانوا لذلك أعجب خلقًا من آدم عليه الصلاة والسلام أيضًا أو في القوّة؛ لأنهم أقوى من عيسى؛ لأنهم يقتلعون الجبال ويأتون بالمياه العظيمة والعبادات الدائمة المستمرّة {ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر} أي: يطلب الكبر عن ذلك قال الراغب: الاستنكاف تكبر في أنفة والاستكبار بخلافه {فسيحشرهم} أي: المستكبرين وغيرهم {إليه جميعًا} في الآخرة بوعد لا يخلف فيجازيهم.

{فأمّا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} تصديقًا لإقرارهم بالإيمان {فيوفيهم أجورهم} أي: ثواب أعمالهم {ويزيدهم من فضله} أي: ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر {وأما الذين استنكفوا واستكبروا} عن عبادته {فيعذبهم عذابًا أليمًا} أي: مؤلمًا هو عذاب النار بما وجدوا من لذاذة الترفع والتكبر {ولا يجدون لهم} أي: حالًا ولا مآلًا {من دون الله} أي: غيره {وليًا} يدفعه عنهم {ولا نصيرًا} يمنعهم منه.

{يأيها الناس} أي: كافة أهل الكتاب وغيرهم {قد جاءكم برهان من ربكم} أي: حجة نيرة واضحة مفيدة لليقين التام وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأدلة القاطعة من المعجزات وغيرها {وأنزلنا إليكم نورًا مبينًا} أي: واضحًا في نفسه موضحًا لغيره وهو القرآن الجامع بإعجازه وحسن بيانه، فلم يبق لكم عذر ولا علة، وقيل: المراد بالبرهان المعجزات وبالنور القرآن.

{فأما الذين آمنوا با واعتصموا به فسيدخلهم} أي: بوعد لا خلف فيه {في رحمة منه} أي: ثواب عظيم هو رحمته لهم لا بشيء استوجبوه {وفضل} أي: إحسان زائد عليه {ويهديهم} أي: في الدنيا والآخرة {إليه صراطًا مستقيمًا} أي: طريقًا مستقيمًا وهو الإسلام والطاعة في الدنيا والجنة في الآخرة.

{يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَآ وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُوا إِخْوَةً رِّجَالاوَنِسَآءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمُ}

{يستفتونك} أي: في الكلالة حذف لدلالة الجواب عليه.

روي أن جابر بن عبد الله قال: «عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مريض لا أعقل فتوضأ وصب عليّ من وضوئه فعقلت وقلت: يا رسول الله لمن الميراث وإنما يرثني كلالة» فنزل: {يستفتونك} {قل الله يفتيكم في الكلالة} وقد تقدّم معنى الكلالة وحكم الآية في أوّل السورة وفي هذه الآية بيان حكم ميراث الأخوة للأب والأم أو للأب، وقوله تعالى: {إنّ امرؤ} هو مرفوع بفعل يفسره {هلك} أي: مات {ليس له ولد} أي: ولا والد وهو الكلالة، قال الأصبهاني عن الشعبي: اختلف أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما في الكلالة فقال أبو بكر: هو ما عدا الوالد، وقال عمر: ما عدا الوالد والولد ثم قال عمر: إني لأستحي من الله أن أخالف أبا بكر وقوله تعالى: {وله أخت} يحتمل الحال والعطف والمراد بالأخت الأخت من الأبوين أو الأب لأنه جعل أخوها عصبة والذي لأم لا يكون عصبة والولد يشمل الذكر والأنثى فإنّ الأخت وإن ورثت مع البنت قد لا ترث النصف وذلك عند تعدد البنت {فلها نصف ما ترك وهو} أي: هذا الأخ للميت {يرثها} أي: إن ماتت هي وبقي هو جميع مالها {إن لم يكن لها ولد} فإن كان لها ولد ذكر فلا شيء له أو أنثى فله ما فضل عن نصيبها ولو كانت الأخت أو الأخ من الأم ففرضه السدس كما مرّ أوّل السورة {فإن كانتا} أي: الأختان {اثنتين} أي: فصاعدًا لأنها نزلت في جابر وقد مات عن أخوات {فلهما الثلثان مما ترك} أي: الأخ {وإن كانوا} أي: الورثة {إخوة رجالًا ونساءً فللذكر} منهم {مثل حظ الأنثيين يبيّن الله لكم} أي: ولم يكلكم في بيانه إلى بيان غيره، وقال مرغبًا مرهبًا {أن} أي: كراهة أن {تضلوا} وقيل: لئلا تضلوا فحذف لا وهو قول الكوفيين، وقيل: يبيّن الله لكم ضلالكم أي: الذي من شأنكم أي: إذا خليتم وطباعكم لتحترزوا عنه وتتحروا خلافه {والله بكل شيء عليم} فهو عالم بمصالح العباد في المحيا والممات ومنه الميراث.

3 ـ أول يونس ـ آخر سورة الإسراء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت