فهرس الكتاب

الصفحة 502 من 2551

ويقال: إن الأرض كان سعتها ميلًا في ميل فصارت كلها حيات وأفاعي ففزع الناس من ذلك وأوجس في نفسه خيفة موسى وهذه الخيفة لم تحصل لموسى عليه السلام لأجل سحرهم لأنه كان على ثقة ويقين من الله تعالى أنهم لم يغلبوه وهو غالبهم وكان عالمًا بأنّ ما أتوا به على وجه المعارضة لمعجزته فهو من باب السحر والتخيل وذلك باطل ومع هذا الجزم يمتنع حصول الخوف لموسى عليه السلام وإنما كان خوفه لأجل فزع الناس واضطرابهم مما رأوه من أمر تلك الحيات فخاف موسى عليه السلام أن يتفرّقوا قبل ظهور معجزته وحجته فلذلك أوجس في نفسة خيفة موسى.

{وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك} فألقاها فصارت حية عظيمة قد سدّت الأفق قال ابن زيد: كان اجتماعهم بالاسكندرية وقال: بلغ ذنب الحية من وراء البحر ثم فتحت فاهًا ثمانين ذراعًا {فإذا هي تلقف} بحذف إحدى التاءين من الأصل أي: تبتلع {ما يأفكون} أي: ما يزوّرونه من الإفك وهو الصرف وقلب الشيء عن وجهه.

روي أنها ابتلعت كل ما أتوا به من السحر فكانت تبتلع حبالهم وعصيهم واحدًا واحدًا حتى ابتلعت الكل ثم أقبلت على الذين حضروا ذلك المجمع ففزعوا ووقع الزحام عليهم فمات منهم بسبب ذلك الزحام خمسة وعشرون ألفًا ثم أخذها موسى عليه السلام فصارت في يده عصا كما كانت أوّل مرة فلما رأى السحرة ذلك عرفوا أنه أمر من السماء وليس بسحر وعرفوا أنّ ذلك ليس في قدرة البشر وقوّتهم فعند ذلك خروا سجدًا وقالوا: آمنا برب العالمين وذلك قوله تعالى: {فوقع الحق} أي: فظهر الحق الذي جاء به موسى {وبطل ما كانوا يعملون} أي: من السحر وذلك أنّ السحرة قالوا: لو كان ما صنع موسى سحرًا لبقيت حبالنا وعصينا فلما فقدت وتلاشت في عصا موسى علموا أنّ ذلك من أمر الله تعالى وقدرته وقرأ حفص: تلقف بسكون اللام وتخفيف القاف والباقون بفتح اللام وتشديد القاف وشدّد التاء البزيّ.

{فغلبوا} أي: فرعون وجموعه {هنالك} أي: عند ذلك الأمر العظيم العالي الرتبة {وانقلبوا صاغرين} أي: رجعوا إلى المدينة أذلاء مقهورين {وألقي السحرة ساجدين} أي: أنّ الله تعالى ألهمهم ذلك وحملهم عليه حتى ينكسر فرعون بالذين أراد بهم كسر موسى وينقلب الأمر عليه، قال الأخفش: من سرعة ما سجدوا كأنهم ألقوا.

قال فرعون: إياي تعنون قالوا: لا بل.

{رب موسى} فقال: إياي تعنون لأني أنا الذي ربيت موسى فلما قالوا: {وهارون} زالت الشبهة وعرف الكل أنهم كفروا بفرعون وآمنوا بإله السماء قال مقاتل: قال موسى لكبير السحرة: أتؤمن بي إن غلبتك فقال: لآتينّ بسحر لا يغلبه سحر ولئن غلبتني لأومننّ بك وفرعون ينظر إليهما ويسمع كلامهما فهذا قوله: {إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة} ويقال: إنّ الحبال والعصيّ التي كانت مع السحرة كانت حمل ثلثمائة بعير فلما ابتلعتها عصا موسى عليه السلام كلها قال بعضهم لبعض: هذا أمر خارج عن هذا السحر وما هو إلا من أمر السماء فآمنوا وصدّقوا.

فإن قيل: كان يجب أن يأتوا بالإيمان قبل السجود فما فائدة تقديم السجود على الإيمان؟ أجيب: بأنّ الله تعالى لما قذف في قلوبهم الإيمان والمعرفة خرّوا سجدًا لله تعالى شكرًا على ما هداهم إليه وألهمهم من الإيمان بالله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت