والسلام قال: وبيانه أنّ جميع الخصال وصفات الشرف كانت متفرّقة فيهم فكان نوح صاحب احتمال على أذى قومه وكان إبراهيم صاحب كرم وبذل مجاهدة في الله عز وجلّ وكان إسحاق ويعقوب من أصحاب الصبر على البلاء والمحن وكان داود وسليمان من أصحاب الشكر على النعمة كما قال تعالى: {اعملوا آل داود شكرًا} (سبأ، 13)
وكان أيوب صاحب صبر على البلاء كما قال تعالى: {إنا وجدناه صابرًا نعم العبد إنّه أواب} (ص، 44)
وكان يوسف قد جمع بين الحالتين أي: الصبر والشكر وكان موسى صاحب الشريعة الظاهرة والمعجزات الباهرة وكان زكريا ويحيى وعيسى وإلياس من أصحاب الزهد في الدنيا وكان إسماعيل صاحب صدق وكان يونس صاحب تضرّع وإحسان ثم إن الله تعالى أمر نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بهم وجمع له جميع الخصال المحمودة والمتفرّقة فثبت بهذا البيان أنه صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء لما اجتمع فيه من الخصال التي كانت متفرّقة في جميعهم، اه.
وقرأ حمزة والكسائيّ بحذف الهاء في الوصل وحرّك الهاء بحركة مختلسة ابن عامر ومدّ على الهاء ابن ذكوان بخلاف عنه وسكن الهاء الباقون في الوصل وأما في الوقف فجميع القراء يثبتون الهاء ويسكنونها {قل} يا محمد لأهل مكة {لا أسألكم عليه} أي: القرآن أو التبليغ {أجرًا} أي: لا أطلب على ذلك جعلًا {إن هو} أي: القرآن أو التبليغ {إلا ذكرى} أي: عظة {للعالمين} أي الإنس والجنّ.
{وما قدروا} أي: اليهود {الله حق قدره} أي: ما عرفوه حق معرفته أو ما عظموه حق عظمته {إذ قالوا} للنبيّ صلى الله عليه وسلم وقد خاصموه في القرآن {ما أنزل الله على بشر من شيء} قال سعيد بن جبير جاء رجل من اليهود يقال له مالك بن الصيف من أحبار اليهود ورؤسائهم يخاصم النبيّ صلى الله عليه وسلم بمكة فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم «أنشدك الله الذي أنزل التوراة على موسى أما تجد في التوراة أنّ الله تعالى يبغض الحبر السمين وكان حبرًا سمينًا» ـ والحبر بالفتح والكسر وهو أفصح العالم بتحبير الكلام والعلم وتحسينه، قاله الجوهريّ ـ فغضب فقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء، فقال له قومه: ويلك ما هذا الذي بلغنا عنك، فقال: إنه أغضبني، فنزعوه وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف. وقال السدّي: نزلت في فنحاص بن عازوراء وهو قائل هذه المقالة، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: قالت اليهود: يا محمد أنزل الله تعالى عليك كتابًا، قال: نعم، قالوا: والله ما أنزل الله من السماء كتابًا. قال الله تعالى: {قل} لهم {من أنزل الكتاب} أي: التوراة {الذي جاء به موسى} أي: الذي أنتم تزعمون التمسك بشرعه حال كون الكتاب {نورًا} أي: ذا نور أي: ضياء من ظلمة الضلالة {وهدى} أي: ذا هدى {للناس} أي: يفرق بين الحق والباطل من دينهم وذلك قبل أن يبدّل ويغير {يجعلونه قراطيس} أي: يكتبونه في دفاتر مقطعة {يبدونها} أي: يظهرون ما يحبون إظهاره منها {ويخفون كثيرًا} أي: مما كتبوه في القراطيس وهو ما عندهم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم ومما أخفوه أيضًا آية الرجم وكانت مكتوبة عندهم في التوراة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالياء في المواضع الثلاثة على الغيبة حملًا على قالوا وما قدروا، والباقون بالتاء على الخطاب وتضمن ذلك توبيخهم على سوء جهلهم للتوراة وذمّهم على تجزئتها