فهرس الكتاب

الصفحة 388 من 2551

أرسلنا رسلًا ليذكروهم وليبينوا لهم أمر دينهم {كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم} أي: بما يخالف هواهم من الشرائع ومشاقّ التكاليف {فريقًا} أي: من الرسل {كذبوا} أي: كذبهم بنو إسرائيل من غير قتل كعيسى {وفريقًا} منهم {يقتلون} كزكريا ويحيى وإنما جيء بيقتلون موضع قتلوا على حكاية الحال الماضية استحضارًا لتلك الحالة الشنيعة للتعجب منها وتنبيهًا على أنّ ذلك دينهم ماضيًا ومستقبلًا ومحافظة على رؤوس الآي.

{وحسبوا} أي: ظنّ بنو إسرائيل {أن لا تكون} أي: توجد {فتنة} أي: لا يصيبهم بها عذاب في الدنيا ولا في الآخرة بل استخفوا بأمرها فلا تعجب أنت من جرأتهم في ادعائهم إنهم أبناء الله وأحباؤه، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي برفع النون تنزيلًا للحساب منزلة العلم فتكون مخففة من الثقيلة وأصله أنه لا تكون فتنة والباقون بالنصب على أنّ الحساب على بابه {فعموا} أي: عن الحق فلم يبصروه وهذا العمى هو الذي لا عمى في الحقيقة سواه وهو انطماس البصائر {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} (الحج، 46) {وصموا} عنه فلم يسمعوه أي: عَموا وصموا بعد موسى ويوشع عليهما السلام، والصمم أضر من العمى فصاروا كمن لا يهتدي إلى سبيل أصلًا؛ لأنه لا بصر له بعين ولا قلب ولا سمع {ثم تاب الله عليهم} ببعث عيسى بن مريم فرفعوه إلى الحق {ثم عموا وصموا} كرّة أخرى بالكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى: {كثير منهم} بدل من الضمير {والله بصير بما يعملون} أي: وإن دقّ فيجازيهم به وفق أعمالهم.

{لقد كفر الذين قالوا إنّ الله هو المسيح بن مريم} وهم اليعقوبية منهم القائلون بالاتحاد {وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم} أي: إني عبد مربوب مثلكم فاعبدوا خالقي وخالقكم {إنه من يشرك با} أي: يشرك في العبادة غيره {فقد حرّم الله عليه الجنة} أي: منعه من دخولها منعًا متحتمًا فإنها دار الموحدين {ومأواه النار} أي: محل سكناه فإنها المعدة للمشركين {وما للظالمين من أنصار} أي: وما لهم أحد ينصرهم من النار لا بفداء ولا بشفاعة ولا بغيرهما فوضع الظاهر موضع المضمر تسجيلًا على أنهم ظلموا بالإشراك وعدلوا عن طريق الحق وهو يحتمل أن يكون من كلام الله تعالى، نبه على أنهم عدلوا عن سبيل الحق فيما تقوّلوا على عيسى عليه السلام فلذلك لم يساعدهم عليه ولم ينصر قولهم، ورده وأنكره وإن كانوا معظمين له بذلك ورافعين من مقداره، وأن يكون من كلام عيسى عليه السلام على معنى ولا ينصركم أحد مني فيما تقولون ولا يساعدكم عليه لاستحالته وبعده عن العقول أو لا ينصركم ناصر في الآخرة من عذاب الله.

{لقد كفر الذين قالوا إنّ الله ثالث ثلاثة} أي: أحد ثلاثة وهو حكاية عما قاله النسطورية والملكانية وفيه إضمار معناه ثالث ثلاثة الآلهة لأنهم يقولون: الإلهية مشتركة بين الله ومريم وعيسى ولك واحد من هؤلاء إله فهم ثلاثة آلهة، بين هذا قوله تعالى للمسيح: {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} (المائدة، 116) ومن قال إنّ الله تعالى ثالث ثلاثة بالعلم ولم يرد به الآلهة لم يكفر فإنّ الله يقول: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم} وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما» ثم قال الله تعالى ردًا عليهم: {وما من إله إلا إله واحد} أي: وما في الموجودات واجب مستحق للعبادة من حيث إنه مبدأ جميع الموجودات إلا إله واحد موصوف بالوحدانية متعال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت