فهرس الكتاب

الصفحة 2423 من 2551

، {تلهى} حمزة والكسائي بالإمالة محضة، وورش وأبو عمرو بين بين، والفتح عن ورش قليل والباقون بالفتح.

وقوله تعالى: {كلا} ردع من العاتب عليه وعن معاودة مثله. فإن قيل: ما فعله ابن أمّ مكتوم كان يستحق عليه التأديب والزجر، فكيف عاتب الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم على تأديبه، لأنه وإن كان أعمى فقد سمع مخاطبته صلى الله عليه وسلم لأولئك الكفار، وكان بسماعه يعرف شدّة اهتمام النبيّ صلى الله عليه وسلم بشأنهم، فكان إقدامه على قطع كلامه صلى الله عليه وسلم لغرض نفسه قبل تمام كلام النبيّ صلى الله عليه وسلم معصية عظيمة، وأيضًا فإنّ الأهمّ يقدّم على المهمّ، وكان قد أسلم وتعلم ما يحتاج من أمر الدين، وأما أولئك الكفار فلم يكونوا أسلموا، وكان إسلامهم سببًا لإسلام غيرهم، فكان كلام ابن أمّ مكتوم كالسبب في قطع ذلك الخير العظيم لغرض قليل، وذلك يحرم أيضًا. فإنّ الله تعالى ذمّ الذين ينادونه من وراء الحجرات بمجرّد ندائهم، فهذا النداء الذي هو كالصارف للكفار عن الإيمان أولى أن يكون ذنبًا، وأيضًا فمع هذا الاعتناء كيف لقب بالأعمى، وأيضًا فالنبيّ صلى الله عليه وسلم له أن يؤدّب أصحابه بما يراه مصلحة، والتعبيس من ذلك القبيل؟

أجيب: بأنّ ما فعله ابن أمّ مكتوم كان من سوء الأدب لو كان عالمًا بأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم مشغولًا بغيره وأنه يرجو إسلامهم، ولكنه لم يعلم بذلك. وأيضًا الله سبحانه وتعالى إنما عاتبه على ذلك حتى لا تنكسر قلوب الضعفاء، أو ليعلم أنّ المؤمن الفقير خير من الغنيّ الكافر.

وقال ابن زيد: إنما عبس النبيّ صلى الله عليه وسلم لابن أمّ مكتوم وأعرض عنه لأنه أشار إلى الذي كان يقوده أن يكفه فدفعه ابن أمّ مكتوم وأبى إلا أن يتكلم مع النبيّ صلى الله عليه وسلم فكان في هذا نوع جفاء منه، ومع هذا نزل في حقه ذلك، وأما ذكره بلفظ الأعمى فليس للتحقير بل كان بسبب عماه يستحق أن يزيده تعطفًا وترؤفًا وتقريبًا وترحيبًا، ولقد تأدب الناس بأدب الله تعالى في هذا تأدبًا حسنًا، فقد روي عن سفيان الثوري رضي الله عنه: أنّ الفقراء كانوا بمجلسه أمراء، وأما كونه صلى الله عليه وسلم كان مأذونًا له في تأديب أصحابه فلأنّ تقديمهم ربما يوهم ترجيح تقديم الأغنياء على الفقراء فلهذا السبب عوتب.

قال الحسن رضي الله عنه: لما تلا جبريل عليه السلام على النبيّ صلى الله عليه وسلم هذه الآيات عاد وجهه كأنما نسف فيه الرماد ينتظر ما يحكم الله تعالى عليه فلما قال: {كلا} سرّي عنه أي: لا تفعل مثل ذلك، وقد بينا نحن أنّ ذلك محمول على ترك الأولى. ثم قال الله تعالى: {إنها} أي: هذه السورة. وقال مقاتل رضي الله عنه: آيات القرآن. وقيل: القرآن، وأنثه لتأنيث خبره وهو قوله تعالى: {تذكرة} أي: عظة للخلق يجب الاتعاظ بها والعمل بموجبها.

{فمن شاء ذكره} أي: كان حافظًا له غير ناس، وذكر الضمير لأنّ التذكرة في معنى الذكر والوعظ.

ثم إنّ الله تعالى أخبر عن جلالة ذلك عنده فقال سبحانه {في صحف} أي: منتسخة من اللوح المحفوظ، وقيل: هي كتب الأنبياء عليهم السلام، دليله قوله تعالى: {إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى} (الأعلى، الآيتان: 18 ـ 19)

. {مكرمة} أي: عند الله تعالى.

{مرفوعة} أي: في السماء السابعة أو مرفوعة المقدار {مطهرة} أي: منزهة عن أيدي الشياطين لا يمسها إلا أيدي ملائكة كرام مطهرين.

كما قال تعالى: {بأيدي سفرة} أي: كتبة ينسخونها من اللوح المحفوظ وهم الملائكة الكرام الكاتبون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت