السمع للقلب على تفهم القرآن هي أشدّ مطابق لقوله: {قم الليل} فكأنه شابه الاعتراض من حيث دخوله بين هذين المناسبين، والمعنى: سنلقي عليك بافتراض صلاة الليل قولًا ثقيلًا يثقل حمله؛ لأنّ الليل للمنام، فمن أمر بقيام أكثره لم يتهيأ له ذلك إلا بحمل مشقة شديدة على النفس ومجاهدة الشيطان، فهو أمر ثقيل على العبد.
ولما كان التهجد يجمع القول والفعل وبين ما في الفعل لأنه أشق فكان بتقديم الترغيب بالمدحة أحق أتبعه القول فقال: {وأقوم قيلًا} أي: وأعظم سدادًا من جهة القيل في فهمه ووقعه في القلوب لحضور القلب، لأنّ الأصوات هادية والدنيا ساكتة فلا يضطرب على المصلي ما يقرؤه، وقال قتادة ومجاهد رضي الله عنهم: أصوب للقراءة وأثبت للقول لأنه زمان التفهم لرياقة الليل بهدوء الأصوات وتجلي الرب سبحانه بحصول البركات وأخلص من الرياء، فبين الله تعالى بهذه الآية فضل صلاة الليل على صلاة النهار وأنّ الاستكثار من صلاة الليل بالقراءة فيها ما أمكن أعظم للأجر وأجلب للثواب.
كان عليّ بن الحسين رضي الله عنه يصلي بين المغرب والعشاء ويقول: هو ناشئة الليل. وقال عطاء وعكرمة رضي الله عنهم: هو بدء الليل. وقال في الصحاح: ناشئة الليل أوّل ساعاته، وقال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: هي الليل كله لأنه ينشأ بعد النهار وهو اختيار مالك، قال ابن عربي: وهو الذي يعطيه اللفظ وتقتضيه اللغة، وقالت عائشة وابن عباس أيضًا ومجاهد رضي الله عنهم: إنما الناشئة القيام بالليل بعد النوم ومن قام قبل النوم فما قام ناشئة. وقال يمان بن كيسان: هو القيام من آخر الليل.
وأما قوله تعالى: {أشدّ وطأ} أي: أثقل على المصلي من ساعات النهار، لأنّ الليل وقت منام وراحة فإذا قام إلى صلاة الليل فقد تحمل المشقة العظيمة، هذا على قراءة كسر الواو وفتح الطاء، وبعدها ألف ممدودة وهمزة منوّنة، وهي قراءة أبي عمرو وابن عامر، وقرأ الباقون بفتح الواو وسكون الطاء وبعدها همزة منونة فهي مصدر وطأت وطأ ومواطأة أي: وافقت على الأمر من الوفاق تقول: فلان يواطئ اسمه اسمي، أي: يوافقه، فالمعنى أشدّ موافقة بين القلب والبصر والسمع واللسان لانقطاع الأصوات والحركات قاله مجاهد وغيره قال تعالى: {ليواطئوا عدّة ما حرّم الله} (التوبة: 37)
أي: ليوافقوا ومنه قوله صلى الله عليه وسلم «اللهمّ اشدد وطأتك على مضر» وقيل: أشدّ مهادًا للتصرّف في الفكر والتدبر. وقيل: أشدّ ثباتًا من النهار، فإنّ الليل يخلو فيه الإنسان بما يعمله، فيكون ذلك أثبت للعمل، والوطء الثبات تقول: وطأت الأرض بقدمي وفي الجملة عبادة الليل أشدّ نشاطًا وأتم إخلاصًا وأكثر بركة وأبلغ في الثواب.
{إنّ لك} أي: أيها المتهجد أو يا أكرم الخلق إن كان الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم {في النهار} الذي هو محل السعي في مصالح الدنيا {سبحًا طويلًا} أي: تصرّفًا وتقلبًا وإقبالًا وإدبارًا في حوائجك وأشغالك، والسبح: مصدر سبح استعير للتصرف في الحوائج من السباحة في الماء وهي البعد فيه. وقال القرطبي: السبح الجري والدوران. ومنه السباحة في الماء لتقلبه بيديه ورجليه، وفرس سابح شديد الجري. وقيل: السبح الفراغ، أي: إنّ لك فراغًا لحاجات النهار. وعن ابن عباس رضي الله عنهما {سبحًا طويلًا} يعني فراغًا طويلًا لنومك وراحتك، فاجعل ناشئة الليل لعبادتك. وقيل: إن فاتك من الليل شيء فلك في النهار فراغ تقدر على تداركه فيه.
{واذكر اسم ربك}