{ولا يسأل} أي: من شدة الأهوال {حميم حميمًا} أي: قريب في غاية القرب والصداقة قريبًا مثله عن شيء من الأشياء لفرط الشواغل ولأنه قد كشفت لهم أنه لا تغني نفس عن نفس شيئًا وأنه قد تقطعت الأسباب وتلاشت الأنساب وعلم أنه لا عز إلا بالتقوى.
{يبصرونهم} أي: يبصرهم بهم مبصر فلا يخفى أحد على أحد وإن بعد مكانه {يودّ المجرم} أي: يتمنى الكافر أو هذا النوع سواء كان كافرًا أم مسلمًا عاصيًا علم أنه يعذب بعصيانه {لو} بمعنى أن {يفتدى} أي: يفدي نفسه {من عذاب يومئذ} أي: يوم إذ كانت هذه المخاوف. وقرأ نافع والكسائي بفتح الميم والباقون بكسرها، {ببنيه} أي: بأقرب الناس إليه وأعلقهم بقلبه لشدة ما يرى.
ولما ذكر ألصق الناس بالفؤاد وأعز من يلزمه نصره والذب عنه أتبعه ما يليه في الرتبة والمودة بقوله تعالى: {وصاحبته} أي: زوجه التي يلزمه الذب عنها لا سيما عند العرب من أقبح العار ولكونه دائمًا معها. ولما ذكر الصاحبة لما لها من تمام الوصلة أتبعها الشقيق الذي هو عليه شفيق بقوله تعالى: {وأخيه} أي: الذي له به النصرة على من يريد، قال الشاعر:
*أخاك أخاك إن من لا أخا له ... كنازل الهيجاء بغير سلاح*
ولما كان من بقي من الأقارب بعد ذلك متقاربين في الرتبة ذكر أقربهم بقوله تعالى: {وفصيلته} أي: عشيرته الذين هم أقرب من فصل عنه، وقال ثعلب: الفصيلة الآباء الأدنون، وقال أبو عبيدة رضي الله عنه: الفخذ، وقال مجاهد وابن زيد رضي الله عنهم: عشيرته الأقربون، {التي تؤويه} أي: تضمه إليها عند الشدائد وتحميه لأنه أقرب الناس إليها وأعزهم عليها.
ولما خصص عمم بقوله تعالى: {ومن في الأرض} أي: من الثقلين وغيرهم سواء كان فيهم صديق لا صبر عنه ولا بدّ في كل حال منه أم لا، ثم أكد ذلك بقوله تعالى: {جميعًا} وقوله تعالى: {ثم ينجيه} أي: ذلك الافتداء عطف على يفتدى، وقوله تعالى: {كلا} ردّ وردع وزجر لما يودّه، وقال القرطبي: وإنها تكون بمعنى حقًا وبمعنى لا وهي هنا تحتمل الأمرين فإذا كانت بمعنى حقًا كان تمام الكلام ينجيه، وإذا كانت بمعنى لا كان تمام الكلام عليها إذ ليس من عذاب الله افتداء.
ولما كان الإضمار قبل الذكر لتعظيم ذلك المضمر أشار إلى أنه مستحضر في الذهن لا يغيب قال تعالى: {إنها} أي: النار وإن لم يجر لها ذكر لدلالة لفظ عذاب عليها، وقيل: الضمير للقصة. وقيل: مبهم يفسره قوله تعالى: {لظى} أي: ذات اللهب الخالص المتناهي في الحرّ اسم لجهنم تتلظى، أي: تتوقد فتأكل بسببه بعضها بعضًا إن لم تجد ما تأكله وتأكل كل ما وجدته كائنًا ما كان، وقوله تعالى: {نزاعة للشوى} جمع شواة وهي جلدة الرأس، أي: شديدة النزع لجلود الرؤوس. وقال في «القاموس» : اليدان والرجلان والأطراف ومخ الرأس وما كان غير مقتل ا. هـ. وقرأ حفص بالنصب على الاختصاص والحال المؤكدة والمستقلة على أن لظى متلظية، والباقون بالرفع على أنها خبر إن.
{تدعو من أدبر وتولى} عن الإيمان، تقول: إليّ يا مشرك، إليّ يا فاسق ونحو هذا، ثم تلتقطهم التقاط الطير للحب.
ولما كانت الدنيا والآخرة ضرتين، فكان الإقبال على أحدهما دالًا على الإعراض عن الأخرى قال تعالى دالًا على إدباره بقلبه: {وجمع} أي: كل ما كان منسوبًا إلى الدنيا {فأوعى} أي: جعل ما جمعه في وعاء وكنزه حرصًا وطول