فهرس الكتاب

الصفحة 231 من 2551

بأن الفاء إنما دخلت في خبر إن لشبه الذين بالشرط وإيذانًا بتسبب امتناع الفدية على الموت على الكفر بخلافه في الآية الأولى لا دليل فيه على السبب كما تقول: الذي جاءني له درهم لم تجعل المجيء سببًا لاستحقاق الدرهم بخلاف قولك: فله درهم ونصب ذهبًا على التمييز كقولهم: عشرون درهمًا وقوله تعالى: {ولو افتدى به} محمول على المعنى كأنه قيل: فلن يقبل من أحدهم فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهبًا أو معطوف على مضمر تقديره فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبًا لو تقرّب به في الدنيا ولو افتدى به من العذاب في الآخرة، ويجوز أن يراد ولو افتدى بمثله كقوله تعالى: {ولو أنّ للذين ظلموا ما في الأرض جميعًا ومثله معه} والمثل يحذف كثيرًا في كلامهم كقوله: ضربته ضرب زيد وأبو يوسف أبو حنيفة تريد مثله {أولئك لهم عذاب أليم} أي: مؤلم {وما لهم من ناصرين} أي: مانعين عنهم العذاب ومن مزيدة للإستغراق.

روى أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله لأهون أهل النار عذابًا يوم القيامة: لو أنّ لك ما في الأرض من شيء أكنت تفتدي به فيقول: نعم فيقول: أردت منك أهون من ذلك وأنت في صلب آدم أن لا تشرك بي شيئًا فأبيت إلا أن تشرك بي» {لن تنالوا البر} أي: لن تبلغوا حقيقة البر الذي هو كمال الخير أو لن تنالوا بر الله تعالى الذي هو الرحمة والرضا والجنة {حتى تنفقوا مما تحبون} من أموالكم أو ما يعمها وغيرها كبذل الجاه في معاونة الناس والبدن في طاعة الله تعالى والنفس في سبيله، وقال الحسن: لن تكونوا أبرارًا.

روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة وما يزال الرجل يصدق ويتحرّى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرّى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا» وكان السلف رحمهم الله إذا أحبوا شيئًا جعلوه لله.

روي لما نزلت هذه الآية جاء أبو طلحة فقال: يا رسول الله إن أحب أموالي إلي بيرحاء ـ وهو بفتح الباء الموحدة وكسرها وبفتح الراء وضمها مع المدّ والقصر ضيعة بالمدينة وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب ـ فضعها يا رسول الله حيث أراك الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «بخ بخ ذاك مال رابح ـ أو قال رائح ـ وإني أرى أن تجعلها في الأقربين فقال أبو طلحة: افعل يا رسول الله فقسمها في أقاربه» قوله صلى الله عليه وسلم بخ بخ كلمة تقال عند المدح والرضا بالشيء وتكرّر للمبالغة وهي مبنية على السكون، فإن وصلت كسرت ونونت وربما شدّدت وقوله: رابح أو رائح يقال لضيعة الإنسان: مال رائح بالياء أي: يروح نفعه إليه ورابح بالباء الموحدة أي: ذو ربح كقولك لابن وتامر أي: ذو لبن وذو تمر.

وجاء زيد بن حارثة بفرس له كان يحبها فقال: هذه في سبيل الله فحمل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد بن حارثة فكأن زيدًا وجد في نفسه وقال: إنما أردت أن أتصدّق به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أما إن الله قد قبلها منك» وكتب عمر رضي الله تعالى عنه إلى أبي موسى الأشعريّ أن يبتاع له جارية من سبي جلولاء يوم فتحت مدائن كسرى، فلما جاءت أعجبته فقال: إن الله قال:

{لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} (آل عمران، 92)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت